إجمالاً، يمكن النظر لتوقيع وثيقة حلول وضمانات القضية
الجنوبية بأنها خاتمة لجهود مؤتمر الحوار الوطني الذي راوح مكانه خلال الشهور
الأخيرة، وبداية لانفراج الوضع السياسي المتأزم؛ حيث تعمل على حسم أهم قضايا
الحوار وهي قضية بناء الدولة وتؤسس للانتقال لدولة فدرالية، لكن لايجب اعتبارها كوثيقة
نهائية وإنما أرضية يمكن الإنطلاق منها والبناء عليها. وهنا يمكن إبداء ملاحظات
أساسية على الوثيقة من أجل ترشيدها قبل إقرارها من مؤتمر الحوار الوطني كي تحظى بإجماع
سياسي وشعبي.
فمن الملاحظات الجوهرية التي لا تتسق مع الشكل الاتحادي،
أن الوثيقة تضع ثلاثة مستويات للحكم (المركز، الإقليم، الولاية)، يتمتع كل مستوى بصلاحيات تنفيذية وتشريعية ، وهو أمر غير مألوف
في الدول الفيدرالية التي يتمتع فيها مستويين فقط من مستويات الحكم بسلطات تنفيذية
وتشريعية، في حين يتمتع المستوى الثالث (الأدنى) بسلطات محلية تنحصر في اللامركزية
المالية والإدارية.
وهناك ملاحظة أخرى، فعلى الرغم من قبول فكرة أن يمثل
الجنوب بنسبة 50% في كافة الهياكل القيادية لمؤسسات الدولة، اتساقاً مع فكرة أنهم شاركوا
بنفس النسبة في مؤتمر الحوار الوطني، فإن أهم الضمانات أن يشاركوا في تنفيذ مخرجاته
في المرحلة الأولى بعد تبني الدستور الاتحادي. إلا أنه يؤخذ على الوثيقة تناقضها
مع ما تدعو إليه في ديباجتها على ضرورة قيام دولة الحق والقانون والمواطنة
المتساوية؛ حيث نصت على أولوية التوظيف لأبناء الجنوب، وإذا كان هناك توافق حول
هذا النص، فإنه يجب التأكيد على أن يكون ذلك كحكم انتقالي وليس كنص دائم في
الدستور. كما أنه لا ينبغي أيجاد آلية خاصة لحماية المصالح الحيوية لمجموعة دون
أخرى، فإذا تم التوافق عليها سياسياً، فإنها قد لاتلقى ارتياحاً وقبولاً شعبياً وتؤسس
لتمييز بين أبناء الوطن ستكون له انعكاساته السلبية في المستقبل.
وأخر تلك الملاحظات، أنه بالرغم من تأكيد الوثيقة على
انتماء جميع أبناء الشعب إلى جنسية وطنية واحدة، وأنهم متساوون في الحقوق والواجبات
دون تمييز، إلا أنها اقتصرت في ذلك على حق الإقامة والتملك والتجارة والعمل في أي
ولاية أو إقليم، ولم تتضمن إشارة صريحة للحقوق السياسية كحق الانتخاب والترشيح،
وهو الأمر الذي يتناقض مع مبدأ المساواة في الحقوق في دولة يفترض أن تكون اتحادية
ديمقراطية. وهنا يبدو أنه قد غلب على المشاركين في إقرار الوثيقة التفكير في حل
القضية الجنوبية، وغاب عنهم الإطار الضامن وهي دولة المواطنة المتساوية والكفيلة
بحل جميع القضايا بما فيها القضية الجنوبية، فالفيدرالية تقوم بالأساس على تعزيز الديمقراطية والعدالة وتعمل على تقريب السلطة إلى مكان قريب من الناس عن طريق تعدد قنوات المشاركة السياسية للمواطنين والمساواة في الحقوق
السياسية على المستوى المركزي والإقليمي.
وخاتمة
القول، فإن حل القضية الجنوبية والانتقال إلى الدولة الاتحادية الديمقراطية، ينبغي
أن يؤسس على نصوص سياسية ودستورية خالية من الثغرات، التي إن وجدت ستتحول إلى سلاح
بيد من لايرغبون في تبني الشكل الاتحادي الفيدرالي ومصالحم مرتبطة ببقاء الشكل
المركزي للدولة، وهم كثر يتجاوزن في العدد المتضررين من ثورة فبراير 2011 وما
أعقبها من تسوية سياسية.
------
مداخلة حول وثيقة حلول وضمانات القضية الجنوبية ألقيت في الحلقة النقاشية التي أقامها قسم العلوم السياسية - جامعة صنعاء، الخميس 2 يناير 2014
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق