الإصلاح السياسي في اليمن: 1990 - 2010
ملخص
تعمل الدراسة على تتبع مسار الإصلاح السياسي في اليمن، بدءاً من التحول
نحو التعددية السياسية في العام 1990م، وتهدف إلى معرفة المتغيرات الدولية
والمحلية المصاحبة والمؤثرة في الإصلاح السياسي، واستعراض المبادرات التي قُدِّمت
بشأنه، ومن ثم تناول مظاهره في التعديلات القانونية الدستورية، ومدى تأثير ذلك في
بنية المؤسسات السياسية الرسمية وطبيعة العلاقة بينها.
اسهمت
المتغيرات الدولية والمحلية في التحول الديمقراطي في اليمن. ومثّلت
التطورات الدولية في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي العامل
الرئيس في الانتقال من نظام الحزب الواحد إلى نظام التعددية السياسية والحزبية.
وقد جرى ذلك الانتقال بمبادرة من قيادتي الشطرين إدراكاً منها للمتغيرات الدولية
واستحالة تحقيق الوحدة اليمنية دون تلازمها بالديمقراطية. وقد عملت تلك القيادات على ضبط مسار التحول الديمقراطي،
المحكوم بتقاسم السلطة، بما يحقق مصالحها، وهو ما كان له أثر في حدوث أزمة سياسية
بين شريكي تحقيق الوحدة، وبلغت الأزمة ذروتها باندلاع حرب العام 1994م والتي حالت
دون إحداث إصلاح سياسي حقيقي، إذ كرّست التعديلات دستورية التي اعقبتها مصالح
الائتلاف الثاني الحاكم من المؤتمر المؤتمر الشعبي العام وحزب التجمع اليمني
للإصلاح الذي تشكّل بعد الحرب. ورغم تأكيد تلك التعديلات على التعددية السياسية
والحزبية كركن من أركان النظام السياسي، إلا أنها عززت الصلاحيات الواسعة لرئيس
الدولة، وفي نهاية المطاف مكّنت الحزب الحاكم (المؤتمر
الشعبي العام) من تعزيز مواقعه
في السلطة من خلال مساعيه الحثيثة في تحقيق الأغلبية البرلمانية في جميع الدورات
الانتخابية، ومن ثم سيطرته على معظم مقاعد المجالس المحلية واحتفاظه برئاسة
الدولة.
وفي مواجهة
الحزب الحاكم وعدم جديته في إجراء الإصلاحات السياسية التي كان قد وعد بها في
مواجهة الضغوط الدولية والداخلية، عملت
أحزاب المعارضة على تشكيل تكتل اللقاء المشترك في العام 2003م لتوحيد
مواقفها وتعزيز مواقعها في علاقتها
بالسلطة. واستثمرت تلك الأحزاب الضغوط الدولية التي تصاعدت منذ أحداث 11 سبتمبر
2001م في الدفع بمطالبها بالإصلاح السياسي التي لم تعد تقتصر على إجراء إصلاحات في
العملية الانتخابية، التي استنفذت كل حواراتها مع الحزب الحاكم، وإنما
تعدّت ذلك إلى المطالبة بتغيير النظام الانتخابي إلى نظام التمثيل النسبي، وتغيير النظام
السياسي إلى برلماني، وتوسيع
صلاحيات المجالس المحلية وانتخاب قياداتها مباشرة. وذهبت بعيداً إلى المطالبة
بتغيير شكل الدولة كإحدى الخيارات في التخفيف من المركزية السياسية وكمدخل لإيجاد
الحلول للأزمات السياسية والأمنية التي واجهها اليمن في الأعوام الأخيرة من العقد
الثاني لتحقيق الوحدة اليمنية. وبموازاة ذلك، اجتهد عدد من الشخصيات
السياسية والاجتماعية في إطلاق المبادرات، تمحورت معظمها حول تغيير شكل الدولة من
الدولة البسيطة إلى الشكل الاتحادي.
وبالرغم من
تبنّي الحزب الحاكم لكثير من مضامين تلك المبادرات؛ حيث أطلق عدداً من المبادرات
في مناسبات عدة، إلا أنه عمل على الالتفاف عليها بإجراء إصلاحات سياسية تصب في
مصلحته وتحقق غايته في البقاء بالسلطة والاستئثار بها، هَدَفَ من ورائها إلى تخفيف
الضغوط الدولية، ونيل رضا المجتمع الدولي في إجراء الانتخابات الرئاسية الثانية في
العام 2006م، كأقصى ما يستطيع أن يذهب إليه النظام السياسي في الحفاظ على الشكل الديمقراطي، وهي
الانتخابات التي تصاعدت الأزمات السياسية في إثرها واتسعت دائرة
المعارضة السياسية المطالبة بالإصلاح السياسي.
وإجمالاً،
فإذا كان التحول الديمقراطي والاستجابة الجزئية من الحزب الحاكم في إجراء إصلاحات
سياسية قد أحدثت تراكماً في الممارسة الديمقراطية وفي وجود مؤسسات منتخبة، إلا
أنها لم تحقق الغاية من التحول الديمقراطي في تحقيق تداول سلمي للسلطة، وإنما عززت
من سيطرة الحزب الحاكم على السلطة والتحكم بمفاصلها، وكرّست هيمنة السلطة
التنفيذية على السلطتين القضائية والتشريعية، وضعف الأخيرة في ممارسة دورها
الرقابي على الحكومة، وأسفرت عن تعددية سياسية مقيَّدة ومعارضة ضعيفة لا تقوى على
ممارسة الضغوط على الحاكم للاستجابة لتحقيق مطالبها في الإصلاح السياسي.
ومع إمعان الحزب الحاكم لإجراء تعديلات على قانون الانتخابات، والبدء في إجراء تعديلات دستورية، تكرِّس هيمنته على السلطة وبقاؤه فيها، وتجعل التغيير السلمي للسلطة في حكم المستحيل، وسعيه نحو عقد انتخابات برلمانية منفرداً، كان اليمنيون مع موعد مع ثورة شبابية شعبية سلمية في العام 2011م، وحينها فإن إطلاق النظام لمبادرته حول الإصلاح السياسي لم تعد تلقى قبول، بعد أن عجز النظام السياسي عن التكيف مع بيئته الداخلية والخارجية والمحافظة على استقراره وبقائه، وتجاوزته الثورة بمطلب إسقاط النظام. وكان من نتائج تلك الثورة استيعاب كافة قضايا الإصلاح السياسي في مخرجات ووثيقة مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي بدأت أولى جلساته في 18 مارس 2013 واختتم أعماله في 25 يناير 2014.
مجلة كلية التجارة والاقتصاد، العدد 48، سبتمبر 2017، جامعة صنعاء.
https://su.edu.ye/ce/wp-content/uploads/sites/14/2023/07/48-2018.pdf
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق