ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الثقة بالله أزكى أمل والتوكل عليه أوفى عمل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الاثنين، 25 أغسطس 2008

العوامل السياسية والإصلاح الاقتصادي في الجمهورية اليمنية

د. عدنان ياسين المقطري
محاضرة بمركز سبأ للدراسات الاستراتيجية
25 أغسطس 2008

هناك عدد من العوامل السياسية التي كان لها تأثير في سياسة الإصلاح الاقتصادي في اليمن خلال الفترة 1995-2005، فبالإضافة إلى العوامل المؤسسية المتمثلة بالمؤسسات الرسمية وغير الرسمية تشمل تلك العوامل الأحداث والمتغيرات السياسية والاقتصادية في الفترة التي سبقت تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي؛ حيث لعبت عوامل عديدة في دفع الحكومة اليمنية لتبني برنامج الإصلاح الاقتصادي، لعل من أهمها الأزمة الاقتصادية الناشئة عن أسباب مختلفة، منها الوضع الاقتصادي الذي ورثته دولة الوحدة عن النظامين السياسيين، والأزمة السياسية بين طرفي الائتلاف الحاكم وحرب صيف 1994، وما خلفه موقف اليمن من أزمة وحرب الخليج الثانية في بداية التسعينيات من تداعيات سلبية على الاقتصاد اليمني. وقد مثلت تلك العوامل السياسية والاقتصادية مجتمعة كعوامل دافعة أو مؤثرة في مجريات الإصلاح الاقتصادي.

وقد عكس تبني الحكومة اليمنية لبرنامج إصلاح اقتصادي وطني في العام 1991 عدم رغبتها في القبول بمشروطية المؤسسات المالية الدولية، بالإضافة إلى عدم قدرة أي من طرفي الائتلاف الحاكم أثناء الفترة الانتقالية المراهنة على موقعه السياسي لتأييد برنامج إصلاح اقتصادي وفقاً لتلك المشروطية، إلا أن ذلك البرنامج لم يكتب له النجاح بفعل الأزمة السياسية التي نتج عنها تراجع اهتمام القيادة السياسية بالقضية الاقتصادية.

وقد ساهمت الأزمة السياسية بين طرفي الائتلاف الحاكم وما نتج عنها من حرب مدمرة في تفاقم الأزمة الاقتصادية، وقضت على أي أمل بنجاح إصلاحات اقتصادية وطنية، حيث غلبت القضايا السياسية على ما عداها من القضايا.
ولقد هيأت نتائج حرب صيف 1994، والتي أعقبها تشكيل حكومي بين طرفي الائتلاف (المنتصران في الحرب)، المناخ الملائم لإجراء تعديلات دستورية تضمنت منح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة، وتعديلات في الأسس الاقتصادية تضمنت النص على مبدأ الحرية الاقتصادية والتقليل من دور الدولة.

حيث أدرك طرفا الائتلاف الحاكم (المنتصران في الحرب) حجم المشكلة الاقتصادية، وهو ما دفعهما إلى إيلاء القضية الاقتصادية الأولوية، خاصة في ظل توفر المناخ المواتي لتنفيذ إصلاحات اقتصادية والمتمثل في التغير في كل من طبيعة التحالفات السياسية وفي طبيعة السلطة السياسية بعد الحرب.

وقد وفر كل ذلك البيئة المناسبة للمبادرة بتنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي، خاصة مع تدهور الأوضاع الاقتصادية، وفي ظل تحذيرات المؤسسات المالية الدولية، وتوفر الإرادة السياسية، وتمكن الائتلاف الحاكم الحصول على الإجماع الشعبي، لإقرار الإجراءات الاقتصادية للمرحلة الأولى من برنامج الإصلاح (التثبيت الاقتصادي)، وقد ترافق ذلك مع إجماع سياسي في إطار المؤسسة التشريعية لإقرار برنامج الحكومة والموازنة العامة والمتضمنة إجراءات اقتصادية في إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي.

ومن الملاحظ أن الأزمة الاقتصادية التي شهدتها اليمن في النصف الأول من تسعينيات القرن العشرين قد لعبت دوراً أساسياً في اضطرار اليمن لتبني برنامج إصلاح اقتصادي وفقاً لمشروطية المؤسسات المالية الدولية، خاصة بعد تأكد عدم قدرتها على معالجة الأوضاع الاقتصادية المتدهورة وفق برنامج وطني. وقد ساهم الإجماع السياسي في تلك الفترة في حشد التأييد الشعبي لبرنامج الإصلاح الاقتصادي.
وقد صاحب تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي عدداً من العوامل السياسية والتي كان لها دور في الممانعة وإعاقة تنفيذ البرنامج، ولعل أبرز تلك القضايا، حوادث الاختطاف والإرهاب على المستوى الداخلي، وكذلك تداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وقد ساهمت تلك الأحداث في مزاحمة القضية الأمنية للقضية الاقتصادية، إن لم يكن تصدرها الأولوية على ما عداها من القضايا السياسية والاقتصادية.

دور القوى غير الرسمية

على الرغم من الوفاق الذي ظهر بين طرفي الائتلاف الحاكم في بداية تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، إلا أن عوامل الخلاف بينهما قد بدأت تظهر في منتصف هذه المرحلة حول مضامين الإصلاحات الاقتصادية، وترافق معها اختلاف نابع من التنافس الحزبي قبل الانتخابات البرلمانية، ورغم تأثير ذلك على قدرة الحكومة في الاستمرار في الإصلاحات الاقتصادية، إلا أنه غالباً ما كان يتم التغلب عليها عن طريق حسم الموضوع في البرلمان في ظل وجود معارضة سياسية منقسمة على نفسها.

وبعد حصول المؤتمر الشعبي العام على الأغلبية المطلقة في ثاني انتخابات برلمانية بعد الوحدة في أبريل 1997، تمكن من تشكيل حكومة بمفرده، تولت تطبيق المرحلة الثانية (الإصلاح الهيكلي) من برنامج الإصلاح الاقتصادي، والتي تطلبت استحداث قوانين جديدة وإجراء تعديلات على قوانين سابقة لتتوافق مع متطلبات اقتصاد السوق.

وعلى الرغم من عدم شعبية تلك الإصلاحات الاقتصادية التي اقتصرت على الإصلاحات السعرية، وإهمال الإصلاحات الإدارية والقضائية، إلا أن الحكومة أصرت على الاستمرار في تلك الإجراءات بالاعتماد على الأغلبية البرلمانية، وقد مثل تدهور أسعار النفط في العـام 1998 العامل الرئيســـــي في إصرار الحكومة على تنفيذ تلك الإصلاحات، منطلقة من تأكيدها على ضرورة الوفاء بالتزاماتها مع المؤسسات المالية الدولية.

ولم يحل توحد المعارضة السياسية في رفضها لتلك الإصلاحات دون استمرار الحكومة في الإصلاحات السعرية باستنادها إلى الأغلبية البرلمانية، إلا أن تصدر القضية الأمنية سلم أولويات اهتمام القيادة السياسية، وخاصة بعد أحداث سبتمبر 2001، وكذلك أحداث صعدة في أواخر العام 2004 وأوائل العام 2005، قد حالت دون تمكن الحكومة من تنفيذ الإصلاحات الهيكلية وخاصة تنفيذ قانون الخصخصة، وتطبيق قانون الضريبة العامة للمبيعات، والإصلاح القضائي والإداري، كما ساهم ارتفاع أسعار النفط خاصة بعد احتلال العراق، في تراخي الحكومة في تطبيق تلك الإصلاحات الاقتصادية.

وقد ظهر تفاوت في مواقف الأحزاب السياسية وخاصة التي شاركت في الحكم سواء قبل تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي أو أثناء تنفيذه. فعلى الرغم من اتفاق الأحزاب السياسية في تشخيص الأزمة الاقتصادية، وظهور تفاوت محدود في رؤاها الفكرية خاصة في مراحل تنفيذ البرنامج، فإن الحسابات السياسية قد فرضتاً مواقف اتسمت بمراعاة المصالح السياسية للأحزاب من خلال المواقف المتغيرة تجاه برنامج الحكومة والموازنات العامة.

فقد أنبنى رفض المعارضة لبرامج الحكومة والموازنات العامة في السنوات الأولى من تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي على حسابات سياسية، ولم تلتق تلك الأحزاب في مواقف موحدة فيما يخص الأزمة الاقتصادية إلا في العام 2001، عندما مثلت القضية الاقتصادية نقطة التقاء المعارضة في إطار اللقاء المشترك؛ حيث بدأت المعارضة بالتركيز على فشل سياسات الحكومة في مجال الإصلاحات الاقتصادية، إلا أن تأثيرها على تغيير أجندة الإصلاح الاقتصادية خاصة ومحاولتها التأكيد على أولوية الإصلاح الإداري أصبحا منعدمين، لعوامل نابعة من عدم امتلاكها الأغلبية المطلوبة في البرلمان من أجل فرض رؤاها ومواقفها، إضافة إلى عوامل مجتمعية وعوامل قانونية تحد من حركتها، وهيمنة الحزب الحاكم على الحياة السياسية.

وجملة القول فإن أدوار الأحزاب السياسية قد بدت غير مؤثرة؛ حيث ساهم انقسامها في البرلمان خاصة في المرحلة الأولى من تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي في عدم قدرتها على توحيد معارضتها لبعض الإجراءات الاقتصادية حيث طغت الحسابات السياسية والمصالح الحزبية في تلك المرحلة. ورغم تنامي المعارضة السياسية في المرحلة الثانية من برنامج الإصلاح الاقتصادي وفي السنوات الأخيرة، إلا أن تأثيرها يكاد ينعدم، وتجلى ذلك في عدم قدرتها على فرض رؤاها في البرلمان، خاصة مع حصول الحزب الحاكم على الأغلبية المطلقة في الدورتين البرلمانيتين 1997 و 2003.

وحول دور القطاع الخاص الذي بدا موقفه متميزاً مقارنة بغيره من جماعات المصالح، إلا أن ذلك الدور والاهتمام بالقضية الاقتصادية قد جاء متأخراً، وغير مؤثر وذلك لضعف تكويناته، ولاقتصار اهتماماته على قضاياه الخاصة، في ما يتعلق بمعارضته للإصلاحات الاقتصادية التي تمس مصالحه ونشاطه، واقتصر تأثيره وقدرته في التأثير في مجريات السياسة الاقتصادية من خلال استجابة المؤسسات السياسية الرسمية في تعديلات على قانون ضريبة المبيعات وتأجيل نفاذه عدة مرات.

وفيما يتعلق بدور المؤسسات المالية الدولية في سياسات الإصلاح الاقتصادي، لوحظ امتداد العلاقة بالمؤسستين الماليتين الدوليتين باليمن لعقود ثلاثة وبالأخص البنك الدولي، واتخاذ تلك العلاقة أشكالاً متعددة، حيث بدأت من خلال الدور التنموي للبنك الدولي في فترة ما قبل تحقيق الوحدة، والدور الاستشاري لصندوق النقد الدولي. وقد مرت العلاقة بتلك المؤسستين بمرحلة شبه منقطعة خاصة بعد أحداث حرب الخليج وإن لم تخل من محاولات المؤسستين لدفع اليمن لتبني برنامج إصلاح اقتصادي وفق شروطهما، خاصة وأن الحكومة اليمنية قد حاولت تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي وطني. ورغم الفشل في تحقيق أهداف البرنامج نتيجة الأزمة السياسية بين طرفي الائتلاف التي انتهت بحرب صيف 1994، إلا أن النتائج الاقتصادية للأزمة والحرب، والدور التحذيري الذي مارسته المؤسسات المالية الدولية، قد عجلت وساهمت في دفع اليمن نحو تبني برنامج الإصلاح الاقتصادي وفقاً لمشروطية المؤسستين الماليتين الدوليتين. ورغم ممانعة الحكومة اليمنية في تنفيذ بعض الإجراءات الاقتصادية التي يتضمنها برنامج الإصلاح الاقتصادي فإنها في أغلب الأحوال قد استجابت لمطالب صندوق النقد والبنك الدوليين، حيث اتسمت السياسة الاقتصادية خلال فترة الدراسة بتأثير تلك المؤسستين على السياسات الاقتصادية للحكومات اليمنية المتعاقبة، خاصة مع تباطؤ الحكومة اليمنية في تنفيذ بعض من عناصر السياسات الاقتصادية وبالأخص الإصلاحات السعرية وتنفيذ قانون الضريبة العامة على المبيعات.

ويمكن القول بأن الأزمة الاقتصادية في منتصف التسعينيات قد وفرت الفرصة الملائمة للمؤسسات المالية الدولية لأن تلعب دوراً محدوداً، تمثل في تحــــــذير الحكومة اليمنية من مخاطر عدم تبنيها برنامج إصلاح اقتصادي وفقاً لمشروطيتها، وتعاظم هذا الدور وخاصة في المرحلة الثانية من خلال استجابة الحكومة لضغوط المؤسسات المالية الدولية، خاصة بعد تراخي الحكومة في تطبيق تلك الإصلاحات في السنوات الأخيرة.

دور المؤسسات الرسمية

على الرغم من أن المؤسسات السياسية الرسمية قد لعبت أدواراً هامة خلال مراحل تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، إلا أن تلك الأدوار قد تفاوتت من حيث القوة والتأثير وفقاً للترتيبات الدستورية والصلاحيات المعطاة لكل من تلك المؤسسات، ووفقاً للظروف السياسية والاقتصادية التي مرت بها اليمن خلال فترة تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي.

وإلى جانب الدور الأساسي للحكومة كسلطة تنفيذية، فقد كان لرئيس الجمهورية دور محوري في الدفع بالإصلاحات الاقتصادية، وخصوصاً في مراحلها الأولى من خلال وضع القضية الاقتصادية في أولوية القضايا، وذلك من خلال الصلاحيات التي خوله الدستور إياها، وتمثل ذلك الدور في الجانب التشريعي في إصدار القوانين بقرارات جمهورية، بالإضافة إلى الأدوار الأخرى المتمثلة في دور الوساطة والتوفيق والتدخل وإصدار التوجيهات سواء للحكومة أو مجلس النواب بخصوص الإجراءات الاقتصادية وخاصة الإصلاحات السعرية.
وعلى الرغم من أن دور القيادة السياسية بدأ مؤثراً في المبادرة في تبني الإصلاحات الاقتصادية، خاصة في المرحلة الأولى، إلا أن هذا الدور بدأ في التراجع مع تصدر القضية الأمنية أولوية القضايا الأخرى.

وبخصوص السلطة التشريعية فقد لعبت أدواراً هامة في ما يتعلق بسياسات الإصلاح الاقتصادي، إلا أنه يلاحظ غلبة الجانب التشريعي على الجانب الرقابي، واتسام الأخير بالضعف، ويرجع ذلك بالأساس إلى أسباب عديدة أهمها هيمنة الحكومة على مجريات العملية التشريعية والرقابية من خلال الأغلبية البرلمانية التي تمتع بها المؤتمر الشعبي العام الحزب الحاكم وخاصة منذ العام 1997، وهو ما انعكس على ضعف المجلس في الجانب الرقابي، فلم يتمكن من طلب سحب الثقة من الحكومة في حالات عدم التزامها المتكرر بتوصياته، ومخالفتها للدستور في حالات أخرى، وعدم العودة إليه حتى لتبرير عدم قدرتها على التنفيذ.

حيث اقتصر دور المؤسسة التشريعية على إقرار الموازنات العامة وبرامج الحكومة، التي تضمنت الإصلاحات الاقتصادية، وإصدار التوصيات التي لم تنفذها الحكومة رغم التزامها بها، وقد نتج عن عدم قدرة السلطة التشريعية على محاسبة ومساءلة الحكومة في ظل الأغلبية البرلمانية تنامي ضعف البرلمان وزيادة نفوذ الحكومة التي تمكنت من تمرير سياساتها الاقتصادية.

ولم تؤد مواقف المعارضة الرافضة – في إطار مجلس النواب- لبرامج الحكومة وللموازنات العامة للدولة إلى تراجع الحكومة عن سياساتها الاقتصادية، كما لم تلتزم الحكومة بتوصيات المجلس وتوصيات لجنة الموازنة وذلك لتمتع الحكومة بالأغلبية البرلمانية التي تمكنها من إقرار الموازنات وتنفيذ خططها كما تريد دون محاسبة ومساءلة. وهو الأمر الذي أضعف الجانب الرقابي لمجلس النواب في مواجهة الحكومة.
وجملة القول، فإن وجود حكومة مهيمنة على مجلس النواب قد أفقد السلطة التشريعية القيام بأهم صلاحياتها الدستورية في محاسبة ومساءلة الحكومة، وهو الأمر الذي نتج عنه تعثر في السياسات الاقتصادية، واقتصارها على الجانب المالي دون الجوانب الأخرى وخاصة الجانب الإداري.
ووفقاً لذلك، فإن تلك الأدوار المختلفة للمؤسسات الرسمية قد أوجدت شكلاً من أشكال السياسات الاقتصادية والتي كان لها دور في التأثير على مخرجات الإصلاح الاقتصادي، و النتائج الاقتصادية التي نتجت عنها والآثار الاجتماعية والسياسية الناجمة عنها.

الآثار السياسية والاجتماعية للإصلاح الاقتصادي

اتسم تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي بالمرحلية وفقاً للمنهج التدرجي، وقد كان لتنفيذ تلك الإجراءات الاقتصادية نتائج اقتصادية إيجابية، وخاصة في المرحلة الأولى للبرنامج. وانعكست تلك النتائج في وقف التدهور الاقتصادي وتحسن المؤشرات الاقتصادية، إلا أن المعضلة الأساسية تمثلت في أن ذلك قد ارتبط بظروف مواتية، والرغبة الجادة في تلك المرحلة من قبل القيادة السياسية في تحقيق إصلاحات حقيقية، فضلاً عن إسهام المؤسسات المالية الدولية في تمويل تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، بالإضافة إلى اعتماد تلك الإجراءات على إيرادات قابلة للنضوب وبشكل أساسي على مادة النفط، والتي ساهم ارتفاع سعرها في السنوات الأخيرة في إخفاء فشل البرنامج في تحقيق معظم أهدافه.

وقد ظهر ذلك الفشل من خلال الآثار الاجتماعية والسياسية التي نشأت من طبيعة تطبيق البرنامج باعتماده على سياسات انكماشية، وتمثل ذلك الفشل على المستوى الاجتماعي من خلال الآثار السلبية في ارتفاع كل من معدلات الفقر والبطالة، وتراجع الاهتمام بالتنمية البشرية وخاصة في مجالي التعليم والصحة من خلال سياسة تخفيض الإنفاق الحكومي، حيث لم تصاحب الزيادات في هذين المجالين معدل النمو السكاني. ولم تفلح السياسات المصاحبة لتنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، والمتمثلة في شبكة الأمان الاجتماعي، وإستراتيجية التخفيف من الفقر وخفض معدل البطالة في تحقيق أهدافها.

ولقد انعكست تلك الآثار الاجتماعية السلبية على المستوى السياسي، وقد ظهر ذلك جلياً من خلال ردود الأفعال الاحتجاجية التلقائية، وخاصة في المرحلة الثانية من تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، في الفترة التي اتسم بها النظام السياسي بسيطرة الحزب الحاكم على مفاصل السلطة، وضعف المعارضة السياسية سواء في تمثيلها البرلماني أو على مستوى الشارع.

وبالرغم من كل ذلك، فقد ساهمت تلك الآثار السلبية على المستوى الاجتماعي والسياسي، في عدم قدرة الحكومة على الإقدام في تنفيذ إصلاحات اقتصادية على نفس الشاكلة التي تمت بها في المراحل الأولى لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، دون أن يرافقها إصلاحات إدارية جادة ومحاربة الفساد، وهو ما تبين من خلال الصعوبة التي واجهتها الحكومة في تنفيذ تلك الإصلاحات الاقتصادية الأخيرة، والتي أخذت وقتاً كبيراً ما بين فترة إقرارها في الموازنة العامة لعام 2005، وتنفيذها في منتصف العام نفسه.

وبعد انتهاء تلك الظروف السياسية الداخلية والخارجية المعيقة لتطبيق إجراءات الإصلاحات الاقتصادية، وتزايد ضغوط المؤسسات المالية الدولية، فإن الأدوار التي لعبتها الأحزاب السياسية المعارضة لسياسات الحكومة، ومواقف القطاع الخاص التي تضمنت معارضتها للسياسات الاقتصادية، لم تثن الحكومة عن استكمال برنامج الإصلاح الاقتصادي، فقد تمكنت الحكومة في العام 2005 من تمرير مجموعة من الإصلاحات من خلال موازنة 2005 التي تضمنت الإصلاحات السعرية، وقوانين الإصلاح الاقتصادي، المرحلة من الأعوام السابقة.

ختـــام:

بالرغم من نجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي في منع تدهور الوضع الاقتصادي، وتجلى ذلك من خلال تحسن المؤشرات الاقتصادية خاصة في المرحلة الأولى، مقارنة بما كانت عليه تلك المؤشرات قبل تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، إلا أنه قد ولد آثاراً سلبية أخرى على المستويين السياسي والاجتماعي، كتنامي ظاهرتي الفقر والبطالة، وتراجع مستويات التعليم والصحة، وقد أدت تلك الآثار السلبية إلى نشوء الاضطرابات والاحتجاجات الشعبية، وساهمت في تنامي دور المعارضة السياسية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي ، وعدم شعبية تلك الإصلاحات، خاصة مع غياب إصلاحات إدارية جادة. وبالرغم من ذلك وفي ظل عدم فاعلية الأحزاب السياسية وضعف البرلمان فإن تلك التداعيات السلبية على المستويين السياسي والاجتماعي لم تحل دون استمرار الحكومة في إقرار الإجراءات الاقتصادية -المُرَحَلة من السنوات السابقة - في يوليو 2005.

ويمكن القول أن الحكومة اليمنية لم تعد قادرة على اتخاذ إجراءات اقتصادية كتلك التي اتخذت في السابق، حيث أدركت السلطة والمعارضة أن أية إصلاحات اقتصادية لابد أن تتواكب مع إصلاحات سياسية وإدارية، وهو الأمر الذي تصدر أولوية القضايا في برامج المرشحين لرئاسة الجمهورية في العام 2006، وتجسد ذلك في برنامج رئيس الجمهورية والحكومة التي تم تشكيلها في أبريل 2007.
ويتطلب الأمر لنجاح أية إصلاحات اقتصادية جديدة مواكبتها للإصلاحات الإدارية، وتوافر الإجماع الشعبي والسياسي على ضرورة الإصلاح الشامل بكافة أبعاده السياسية والاقتصادية والإدارية والاجتماعية ، وهو ما يبدو غير ممكن بمعزل عن تفعيل القوانين التي أقرتها السلطة التشريعية مثل قانون الإقرار بالذمة المالية، وقانون مكافحة الفساد، و قانون المناقصات والمزايدات والمخازن الحكومية، وتمكين هيئة مكافحة الفساد من عملها، كمنظومة مكملة لقوانين الإصلاح الاقتصادي، بالإضافة إلى إجراء تعديلات دستورية تتضمن تحديد صلاحيات ومسؤوليات السلطتين التنفيذية والتشريعية، وتضمن استقلال السلطتين التشريعية والقضائية والتوازن بين السلطات.
ويمكن القول بأنه إذا توفرت الإرادة السياسية في المرحلة الراهنة في ظل الظروف المواتية والمتمثلة في تصاعد أسعار النفط وانتهاء الأزمات الداخلية وخاصة بعد انتهاء حرب صعدة، فإن الفرصة مواتية لتبني إصلاحات اقتصادية في إطار برنامج إصلاح وطني شامل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق