ورقة مقدمة في ورشة استخدام أدوات الرقابة البرلمانية
نظمتها منظمة برلمانيون ضد الفساد بالتعاون مع الصندوق الكندي للتنمية
25 مارس 2010
أولاً: الديمقراطية النيابية
1- صور الديمقراطية:
من المعروف أن الديمقراطية كتجربة إنسانية رائدة قد تجسدت في أفضل صورها في دولة المدينة في اليونان من حكم الشعب نفسه بنفسه، وإن اقتصرت في شمولها المواطنين الأثينيين دون سواهم من الأجانب والعبيد والنساء. إن تلك التجربة ظلت المهم الرئيسي لكافة التجارب الديمقراطية بالرغم من صعوبة تطبيقها في وقتنا الراهن في صورتها المتمثلة بالديمقراطية المباشرة.
وقد ظهرت صور أخرى للديمقراطية متمثلة بالديمقراطية شبه المباشرة التي تمكن المواطنين من التأثير في السياسات ومحاسبة ممثليهم أثناء فترة توليهم السلطة، وقدرة المواطنين في المساهمة في صياغة القوانين وعزل الموظفين وفقاً لشروط معينة. في حين أن الصورة الأخرى للديمقراطية تتمثل بالديمقراطية غير المباشرة (النيابية) وهي الصورة الأكثر انتشاراً في دول العالم في وقتنا الراهن. وأهم شروط الديمقراطية النيباية، وجود مجلس نيابي منتخب لمدة محددة، ويمارس سلطات فعلية، وأن يتمتع المجلس النيابي بالاستقلال أثناء مدة نيابته عن جمهور الناخبين.
وقد ظلت الديمقراطية جهداً إنسانياً أسهم في صوغ ملامحها فلاسفة سياسيون كثيرون، منهم على سبيل المثال جون لوك، وجان جاك روسو اللذان صاغا رؤيتهما في "نظرية العقد الاجتماعي" بأن السلطة السياسية عقد بين الحاكم والمحكومين، وأن جوهر هذا العقد وفقاً لجون لوك يتمثل في ضرورة أن تكون السيادة للبرلمان وللشعب الحق في تغيير هذا البرلمان، في حين رأى جان جاك روسو ضرورة أن تتمثل السيادة في الشعب صاحب السلطة الفعلية، فالحكومة في نظره ما هي إلا هيئة تنفيذية تختارها الأمة لتنفذ إرادتها، فإذا خالفتها حق للجماعة أن تعزلها والإتيان بغيرها وتأكيده على الديمقراطية المباشرة (السيادة الشعبية). في حين صاغ مفكر آخر (مونتسكيو) ملمحاً أساسياً للديمقراطية يتمثل في "نظرية فصل السلطات" التي تعمل على منع حاكم واحد من أن يجمع كافة السلطات (التشريعية، التنفيذية، القضائية) في بيده، كما أن جوهر هذه النظرية الحيلولة دون طغيان سلطة على سلطة أخرى.
2- النظم السياسية النيابية:
ووفقاً لفكرة الديمقراطية غير المباشرة ونظرية العلاقة بين السلطات فقد تعددت الأنظمة السياسية النيابية إلى ثلاثة أنواع رئيسية: النظام البرلماني، والنظام الرئاسي، والنظام المجلسي (الجمعية).
فالنظام البرلماني يأخذ بنظرية الفصل المرن بين السلطات، في حين أن النظام الرئاسي يتسم بالفصل التام بين السلطات من الناحية النظرية، والأمر خلاف ذلك فيما يتعلق بالنظام المجلسي الذي يأخذ بفكرة دمج السلطات وهيمنة السلطة التشريعية على السلطة التنفيذية.
ويترتب على ذلك، أن مسألة الرقابة البرلمانية تظهر في كلا النظامين البرلماني والمجلسي، في حين أنها ليس ذي بال في ما يتعلق بالنظام الرئاسي، ويظل الحديث أكثر حولها فيما يتعلق بالنظام البرلماني باعتباره نظام يقوم بالأساس على فكرة التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية والتأثير المتبادل بين كل منهما ، حيث تمتلك كل منهما وسيلة تأثير في مواجهة الأخرى، وهو ما يخلق عملية التوازن بين السلطتين، وهي ميزة يتسم بها النظام البرلماني دون غيره من النظم الأخرى التي تم الإشارة إليها.
ففي مقابل إمكانية السلطة التنفيذية (رئيس الدولة) حل البرلمان، فإن البرلمان بيده سلطة موازية تجاه السلطة التنفيذية، وهي الوظيفة الرقابية، إذا يمكنه أن يستخدم عدة أدوات لممارسة دوره الرقابي على السلطة التنفيذية. وتعد هذه الوظيفة من أهم وظائف البرلمان، ويقاس عليها ديمقراطية أي نظام، كون المجلس التشريعي هو الذي يمثل الشعب ويراقب الحكومة في تصرفاتها وأعمالها.
ثانياً: وظائف السلطة التشريعية:
1- الوظائف الرئيسية للسلطة التشريعية:
أ- الوظيفة التمثيلية: وتعد الوظيفة الأولى التي كان سبباً في نشأة النظام البرلماني، فنتيجة لاستحالة تطبيق الديمقراطية المباشرة كان لابد من وجود ممثلين (نواب) عن الشعب. ويلعب النظام الانتخابي دورا في تقرير ما مدى ذلك الدور مدى محورية ذلك الدور. فالنظام الانتخابي الفردي، يجعل من العضو مرتبطا بناخبيه، في حين أنه يتحلل من ذلك الالتزام في ظل النظام الانتخابي بالقائمة النسبية، ويمثل الحزب الذي ينتمي إليه أكثر.
ب- الوظيفة التشريعية: ينصرف اسم السلطة التشريعية إلى إحدى الوظائف التشريعية التي يمارسها أي نظام نيابي، وتعد من الوظائف الهامة والأساسية، ومحور عمل البرلمان، وتشمل هذه الوظيفة: اقتراح ومناقشة القوانين وإجراء التعديلات عليها وإقرارها، وهو الأمر الذي يشمل مناقشة إجراء تعديلات على مواد الدستور وإقرارها.
ج- الوظيفة المالية: وتتمثل في مناقشة وإقرار مشاريع الموازنات العامة للدولة، والحسابات الختامية، بالإضافة إلى مناقشة وإقرار الخطط التنموية للدولة. فضلاً عن تخويل البرلمان في إجراء بعض المناقلات في المبالغ المالية من باب إلى آخر. وتعد هذه الوظيفة جزء من الوظيفة التشريعية.
د- الوظيفة الرقابية (السياسية): تمنح الدساتير السلطة التشريعية، أيا كان تسميتها، العديد من أوجه وآليات الرقابة في مواجهة السلطة التنفيذية، وتهدف الدساتير من وراء ذلك إلى منع هيمنة السلطة التنفيذية والحد من هيمنتها على السلطات الأخرى.
وتعد الوظيفة الرقابية من أهم الوظائف البرلمانية في الوقت الحاضر، ومؤشر على تقدم النظام السياسي خاصة في النظم البرلمانية، وتتعدد أدوات الرقابة البرلمانية، إذا تشمل كل من: تقديم أسئلة، والاستجوابات، وتشكيل لجان لتقصي الحقائق، وفتح باب النقاش في أي قضية، وهذه الأدوات أساسية لتمكين البرلمان من مراقبة تصرفات وأعمال الحكومة وتساعده على ممارسة دوره الرقابية ومحاسبة السلطة التنفيذية، قد تصل إلى سحب الثقة من الحكومة أو أي من وزرائها. ويقاس عليها مدى قوة وضعف أي برلمان.
2- الأدوات الرقابية وشروط نجاحها:
أ- الأدوات الرقابية:
تتنوع وتتدرج الأدوات الرقابية التي يمتلكها البرلمان في مراقبته للسلطة التشريعية وفقاً لمقتضى الموقف الذي تتطلبه الوظيفة الرقابية وطبيعة تصرفات وعمل الحكومة (السلطة التنفيذية). وأبرز تلك الأدوات تتمثل في:
- السؤال: يعد السؤال من أهم الأدوات الرقابية وأكثرها استخداما، يتساوى فيها برلمانات الدول النامية والمتقدمة، ويعرف بأنه، توجيه واستيضاح إلى أحد أعضاء الحكومة بقصد الاستفسار عن أمر من الأمور التي تتعلق بأعمال وزارته، أو بقصد لفت نظر الحكومة إلى أمر من الأمور إو إلى مخالفات حدثت بشأن موضوع ما. و يعرف أيضا بأنه استفسار عن أمر لا يعلمه العضو للتحقق من واقعة وصل علمها إليه أو للوقوف على ما تعتزمه الحكومة في أمر من الأمور.
- الاستجواب وسحب الثقة: يعد أخطر وسائل الرقابة البرلمانية مضموناً وأثراً، ويحمل في مضمونه اتهاما وفي شكله تحقيق مع أحد أعضاء الحكومة أو الحكومة بكاملها، ويمثل مساءلة ومحاسبة للحكومة عن أخطاء ارتكبت، فإذا ثبت صحة هذه الأخطاء فقد يترتب نتائج خطيرة قد تؤدي إلى استقالة الحكومة، أو سحب الثقة منها.
- لجان تقصي الحقائق: وتعد من أبرز الوسائل التي تمكن المجلس من التحقق مباشرة من القضايا المراد الاقتراب منها أكثر، لمباشرة مهمته الرقابية في رقابة أعمال السلطة التنفيذية. ويعرف بأنه شكل من أشكال الرقابة التي يمارسها المجلس النيابي على الحكومة، وتقوم بالتحقيق لجنة مؤلفة ينتخبها البرلمان، للكشف عن العناصر المادية والمعنوية في مسألة أو قضية ذات مصلحة عامة، ويحق لها الإطلاع على كل المستندات والوثائق واستدعاء المسئولين للمثول أمامها والاستفسار عن جميع الملابسات والوقائع.
ب- شروط نجاح الرقابة:
يتطلب نجاح الرقابة البرلمانية، عدة شروط أساسية لكي يقوم البرلمان بمراقبة ومحاسبة الحكومة، وتتمثل تلك الشروط في : وجود نصوص قانونية ودستورية، وتوفر الإمكانات المادية والبشرية، والرغبة لدى عضو البرلمان وإيمانه بأهمية الدور الرقابي.
نصوص قانونية ودستورية: ضرورة وجود نصوص دستور تتضمن الأدوات الرقابية، على أن يتم توضيح ذلك في نصوص اللائحة الداخلية للمجلس التشريعي، من حيث أدوات الرقابة وطريقة استخدامها، ويعد ذلك الشيء الأساسي الذي يعتمد عليه عضو البرلمان والاستناد إليه، بأحقيته القانونية في مراقبة السلطة التنفيذية.
الإمكانات المادية والبشرية: يتطلب قيام عضو البرلمان بدوره الرقابي قدرة على الحصول على المعلومات، وهو أمر غير متيسر في ظل غياب الإمكانات المادية والبشرية التي تعينه على ذلك. وتتمثل تلك الإمكانات في وجود تسهيلات مكتبية ووسائل اتصال ومعاونين.
الرغبة والإيمان بالدور الرقابي: وفي حال توفر النصوص القانونية والدستورية للوظيفة الرقابية والإمكانات المادية والبشرية، فإنها تظل غير ذات معنى في حال عدم وجود الرغبة الجادة لدى عضو البرلمان في القيام بدوره الرقابي، وأن يتوفر معها هذه الرغبة الإيمان الكامل بدوره الرقابي كبرلماني يمثل الشعب، ويراقب الحكومة في تصرفاتها وأعمالها.
ثالثاً: الدور الرقابي للبرلمان اليمني: (نماذج مختارة)
1- حالات رقابية في مجال السياسة الاقتصادية والمالية:
يأتي الدور الرقابي كأحد الوظائف الأساسية للسلطة التشريعية، بل يعد من أهمها. وسيتم تناول الدور الرقابي لمجلس النواب من خلال تناول عناصر الوظيفة الرقابية والمتمثلة بالأسئلة، والاستجواب، وطلبات المناقشة، وسحب الثقة، وتشكيل لجان تقصي الحقائق ودور اللجان الدائمة في المجلس. وسيتم التركيز هنا على دور البرلمان اليمني الرقابي فيما يتعلق بالسياسة الاقتصادية والمالية.
أ- الأسئلة:
رغم ورود الإجراءات المتعلقة بالأسئلة فإن لوائح مجلس النواب لم تحدد تعريفاً للسؤال، وهو ماتداركته لائحة مجلس النواب للعام 2003، حيث تعرف المادة (135) السؤال بأنه "الاستيضاح عن أمر من الأمور المتعلقة بأعمال الوزارات أو المصالح أو المؤسسات الحكومية بما في ذلك الاستفهام عن أمر يجهله العضو للتحقق من حصول واقعة وصل علمها إليه أو للاستفهام عن نية الحكومة في أمر من الأمور.
وقد نصت المادة (136) من اللائحة على أن "مجلس الوزراء مسؤول مسؤولية جماعية وفردية، ولكل عضو من أعضاء مجلس النواب أن يوجه إلى رئيس مجلس الوزراء أو أحد نوابه أو أحد الوزراء أو نوابهم أسئلة في أي موضوع يدخل في اختصاصهم، وعلى من يوجه إليه السؤال أن يجيب عليه".
ومن خلال تتبع الأسئلة التي وجهت من الأعضاء إلى الوزراء المعنيين حول مختلف القضايا ومنها القضايا الاقتصادية، فإن عامي 2003 و 2004 قد شهدا كثافة في الأسئلة بلغت (43) سؤالاً، بخلاف السنوات السابقة والتي لم تشهد أي أسئلة مكتوبة على حد علم الباحث.
وقد بلغت الأسئلة التي وجهت والتي تناولت القضايا الاقتصادية (13) سؤالاً، أي ما نسبته 30% من إجمالي الأسئلة. و توزع الثلاثة عشر سؤالاً بين أسئلة حول الإصلاحات الاقتصادية والقضايا المالية فضلاً عن قضايا مرتبطة بالاستثمار.
ومن خلال معرفة الانتماء الحزبي لمن قاموا بتوجيه الأسئلة الخاصة بالقضايا الاقتصادية والمالية والاستثمارية، تبين أن إجمالي من قاموا بتوجيه الأسئلة ثمانية أعضاء، أربعة منهم من المؤتمر الشعبي العام والأربعة الأخرون من حزب الإصلاح. وبلغت الأسئلة التي وجهت بهذا الخصوص ثلاثة عشر سؤالا، ثمانية أسئلة موجهة من أعضاء المؤتمر، وخمسة أسئلة وجهها أعضاء حزب الإصلاح. وقد توزعت هذه الأسئلة على عدد من المجالات كان نصيب قضايا الاستثمار أربعة أسئلة، والقضايا المالية ستة أسئلة ومايرتبط بالإصلاحات الاقتصادية ثلاثة أسئلة، وجهت إلى رئيس الوزراء ووزير النفط ووزير المالية ووزير التخطيط ووزير التجارة ورئيس الهيئة العامة للاستثمار.
بالإضافة إلى تلك الأسئلة التي وجهت خلال عامي 2003، 2004، فقد قدم أعضاء المجلس خلال العام 2005 عدداً كبيراً من الأسئلة إلى أكثر من وزير، ورغم العدد الكبير الذي وجه إلى رئيس الوزراء فإن رده بشأن توضيح الأمور المراد الاستفسار عنها كان محدوداً، فلم يرد إلا على القليل منها.
فضلاً عن ذلك فإن كثيراً من الأعضاء شكوا من عدم استجابة الكثير من الوزراء لأسئلتهم، بالإضافة إلى وجود عدد من العوائق أمام توجيه الأسئلة منها امتناع بعض الوزراء عن الحضور للمجلس للإجابة على الأسئلة الموجه إليهم، حيث تمر عدة أشهر على بعض الأسئلة المدرجة على جدول أعمال المجلس دون أن يحضر الوزراء المعنيون للإجابة عليها، إضافة إلى عدم تخصيص وقت كاف لمناقشة الإجابات غير المقنعة من قبل الوزراء على الأسئلة الموجه إليهم، ونتيجة لذلك لا تؤدي الأسئلة الغرض المقصود منها.
ب- طلبات المناقشة:
وبالنسبة لطلب المناقشة فإن اللائحة في مادتها (146) تنص على أنه "يجوز لعشرين بالمائة على الأقل من أعضاء المجلس طرح موضوع عام لمناقشته واستيضاح سياسة الحكومة فيه وتبادل الرأي حوله.
وسنحاول تناول بعض المواضيع التي تم حصرها، والتي تمت مناقشتها بناء على طلب مقترح من الأعضاء لمناقشة موضوع من المواضيع المرتبطة بالإصلاحات الاقتصادية، أو بناء على طلب المجلس لمناقشة الحكومة حول تقارير اللجان المعنية بالسياسة الاقتصادية في المجلس، منها:
- مقترح مناقشة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة بشأن الإصلاحات السعرية وأقر المجلس وبعد نقاش تكليف لجنة التموين والتجارة ولجنة التنمية والنفط والثروة المعدنية واللجنة المالية بالإضافة إلى رؤساء الكتل البرلمانية بدراسة القرار الذي اتخذته الحكومة حول الإصلاحات السعرية في ضوء ماطرحه الأعضاء من ملاحظات أثناء النقاش. وتم وفقاً لذلك حضور رئيس الوزراء والوزراء لمناقشة إجراءات الإصلاحات السعرية التي اتخذتها الحكومة في 19/6/1998، أكد أعضاء المجلس خلال المناقشة على أهمية التطبيق الشامل لبرنامج الإصلاح بحيث تتواكب الإصلاحات السعرية مع الإصلاحات المالية والإدارية والقضائية ومحاربة والفساد المالي والإداري.
- مناقشة قرار الحكومة رفع سعر مادة الديزل والأسباب والمبررات الداعية لاتخاذ هذا القرار واستمع إلى ايضاحات رئيس الوزراء ونائب رئيس الوزراء وزير المالية حول ما طرحه الأعضاء من ملاحظات. وأكد المجلس على ضرورة قيام اللجان الدائمة بمتابعة تنفيذ البرنامج العام للحكومة وموافاة المجلس بمستوى التنفيذ.
ج- الاستجوابات:
تنص المادة (155) من لائحة المجلس على أنه "لكل عضو من أعضاء مجلس النواب حق توجيه استجواب إلى رئيس مجلس الوزراء أو نوابه أو الوزراء لمحاسبتهم عن الشؤون التي تدخل في اختصاصهم، وتجري المناقشة في الاستجواب بعد سبعة أيام على الأقل من تقديمه إلا في حالات الاستعجال التي يراها المجلس وبموافقة الحكومة.
ورغم ما أثارته قضايا الإصلاح الاقتصادي من جدل في نقاشات مجلس النواب فإن المتتبع لتلك المناقشات يلاحظ ندرة حالات الاستجواب التي وجهها أعضاء المجلس سواء للحكومة أو لأي وزير في المجموعة الاقتصادية.
ومثال على ذلك استجواب وزير النفط حول الإصلاحات السعرية وخاصة المشتقات النفطية بعد إقرار الجرعة الثالثة في يوليو 1997، لكن نتيجته انتهت إلى مناقشة عامة والرد على توضيحات من الوزير على تساؤلات النواب. ومع نهاية العام 1997 فإن المجلس استجوب وزير النفط مرة أخرى حول الزيادات في مادة الديزل، انتهت باعتذار الحكومة عن عدم قدرتها على التراجع عن قراراتها، خاصة وأن توصيات اللجنة الثالثة المشكلة من المجلس قد جاءت متوافقة مع رأته الحكومة. وعندما تم استجواب رئيس الحكومة في منتصف العام 1998 لم يفلح المجلس في إجبار الحكومة عن التراجع عن قراراتها المتعلقة بالإجراءات الاقتصادية، خاصة بعد أن أعلنت الحكومة أن تلك الإجراءات قد وافق عليها المجلس عند موافقته على برنامج الحكومة والموازنات العامة للدولة.
ويلاحظ أيضا أن المجلس لم يستخدم حق الاستجواب في العام 2005 إلا مرة واحدة، ورغم ممارسة الاستجواب في حالات نادرة ومن تلك الحالات ما يتعلق بالقضايا المرتبطة بمعيشة المواطن، والتي وجه فيها اللوم والتقريع للحكومة، إلا أن نتيجة الاستجواب تنتهي بأن تحضى الحكومة بثقة شبه مطلقة، ويتجاوز الأمر ذلك من توجيه الشكر للوزير المستجوب بعد انتهاء مناقشته، والإشادة بسياسته، أو إعلان ثقة المجلس برئيس الوزراء والوزارة بعد مناقشة برنامج الحكومة.
ونظراً لندرة الاستجوابات التي وجهت الحكومة فلم يصل الأمر إلى سحب الثقة من الحكومة أو تقديم استقالتها، كما أنه لم يتم سحب الثقة من أي وزير، بالرغم من أن الدستور يسمح بذلك لأن مسؤولية الحكومة جماعية وفردية، الأمر الذي يعني إمكانية سحب الثقة من وزير بعينه دون أن يدفع الحكومة تقديم استقالتها بالكامل.
د- التوصيات والتوجيهات:
تنص المادة (113) في أول لائحة للمجلس تم العمل بها حتى العام 1997 على أن "لمجلس النواب حق تقديم "توجيهات" للحكومة في المسائل العامة، فإذا تعذر على الحكومة تنفيذ هذه التوجيهات وجب عليها أن تبين للمجلس سبب ذلك، فإذا تبين للمجلس أن الأعذار التي تقدمت بها الحكومة غير مبررة جاز له أن يلزم الحكومة بتنفيذ التوجيهات". ورغم أن اللائحة التالية لها تضمنت حق المجلس "تقديم توجيهات وتوصيات" للحكومة، إلا أنه تم تعديل اللائحة في العام 2003 لتقتصر على أنه "لمجلس النواب حق "توجيه توصيات" للحكومة...". وهو ماساعد على ضعف دور المجلس في هذا الصدد في ظل حكومة أغلبية مطلقة. وقد انعكس ذلك في تقليص دور المجلس في إلزام الحكومة بتنفيذ توصياته سواء ما يتعلق بتقارير اللجان حول الموازنة العامة أو برامج الحكومة أو أي قضايا أخرى، فعلى الرغم من تعهد الحكومة بتنفيذ عدد من التوصيات إلا أنها لم تنفذ تعهدها.
من بين تلك التوصيات التي تكررت في تقارير لجان الموازنة، تقديم برنامج زمني لتنفيذ قرارات الحكومة الخاصة بالإصلاحات الإدارية، والمطالبة بمكافحة التهريب الجمركي والتهرب الضريبي، وعدم لجوء الحكومة إلى أذونات الخزانة ورفع أسعار الفائدة إلا في حالات الضرورة القصوى ولفترة زمنية مؤقتة تزول بزوال الحالة التي تطلبت ذلك، لما تشكله الفوائد والرسوم المترتبة عليها من أعباء كبيرة على الموازنة العامة وما تسببه من آثار ونتائج سلبية على مجمل النشاط الاقتصادي والاستثماري. ومطالبة المجلس بضرورة فتح حساب خاص بالبنك المركزي تؤول إليه عائدات النفط الخام التي يزيد فيها سعر برميل النفط عن السعر المقدر في الموازنة، وعدم جواز الصرف من هذا الحساب إلا بموافقة مسبقة من مجلس النواب، ويجب أن تكون الأولوية لمشاريع التعليم والصحة والخدمات، واظهار موقف الحساب إيراداً ومصروفاً ضمن الحساب الختامي للموازنات العامة. وهي التوصية التي تكررت في معظم مناقشات الموازنات العامة ومنها موازنة 2005.
ورغم اشتراط المجلس عند موافقته على الموازنات العامة التزام الحكومة بتنفيذ توصياته، إلا أن الحكومة لم تلتزم بذلك، ولم يبال المجلس بعدم تنفيذ الحكومة لالتزاماتها إلا عند مناقشته لموازنة 1998 خاصة مع عدم تنفيذ الحكومة لتوصيات المجلس حول موازنة 1997، تمثل ذلك في عدم رضائه عن مستوى التنفيذ لقرارات مجلس الوزراء لعامي 1995 و 1996 المنفذة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري، ولعدم اقتناعه بردود الحكومة، حيث أورد المجلس (13) توصية لم تجد طريقها للتنفيذ واتهم الحكومة بالانتقائية في التطبيق وعدم الوضوح والصراحة في تعاملها مع المجلس، وهو ما دفعه لمطالبة الحكومة بتنفيذ توجيهات وتوصياته، وتقديم تقرير إلى المجلس عن مستوى تنفيذ توجيهات وتوصيات المجلس السابقة.
ومع تكرار عدم التزام الحكومة وعدم تبريرها للمجلس أسباب عدم تنفيذ توصياته، فإن المجلس عند مناقشة الموازنات العامة للأعوام التالية طالب الحكومة بضرورة التزامها بتنفيذ التوصيات أو التعرض للمساءلة وفقاً للدستور. ولم يجد المجلس طريقاً آخر سوى أن يكرر مطالبته للحكومة تنفيذ الحكومة لتوصياته ومطالبته اللجان الدائمة المختصة بمتابعة تنفيذ الموازنة بعد إقرارها من قبل المجلس وتقديم التقارير الدورية اللازمة إلى المجلس بشأن مستوى تنفيذ توصياته المجلس، وخاصة مدى التزام الحكومة بتنفيذ توصيات المجلس بشأن موازنات الأعوام 2001، 2002، 2003 خلال فترة أقصاها منتصف 2004 ليتسنى للمجلس في حالة عدم التنفيذ تحويل تلك التوصيات إلى أسئلة واستجوابات وفقاً لما تقضي به نصوص وأحكام الدستور والقوانين النافذة.
وبالرغم من كل ذلك فإن المجلس في مواجهة عدم التزام الحكومة لم يستخدم حقه الدستوري في طلب سحب الثقة من الحكومة، وإنما تكررت موافقته على الموازنات العامة رغم اشتراطه التزام الحكومة بتوصياته.
ومع ماساهم به ذلك من ضعف في الوظيفة الرقابية، فإن المجلس أقر تعديلات في لائحته الداخلية بتاريخ 27 ديسمبر 2005م تمنح اللجان البرلمانية مساحة أوسع لممارسة دورها الرقابي منها حق استدعاء الوزراء أو نوابهم مباشرة دون العودة إلى رئاسة المجلس وانعقاد المجلس لمدة شهر تليه إجازة لمدة أسبوعين خلافاً للائحة السابقة التي نصت على أن ينعقد المجلس لمدة أسبوعين يليها إجازة لمدة أسبوعين.
هـ- تشيكل اللجان الخاصة
سيتم هنا الحديث عن تشكيل اللجان الخاصةبدراسة الموازنة ولجان دراسة برامج الحكومة. بالإضافة إلى اللجان الخاصة التي يشكلها المجلس بغرض الدراسة والتحري وتقصي الحقائق حول إجراءات الإصلاحات الاقتصادية ودراسة الآثار المترتبة عليها ورفع تقارير للمجلس بما توصلت إليه تلك اللجان.
فإلى جانب تقارير اللجان المعنية حول إجراءات السياسات الاقتصادية، فإن المجلس قد عمل على تشكيل لجان تقصي الحقائق، انحصرت مهمتها بشكل أساسي في آلية توزيع المواد الغذائية الأساسية، كما أنه عندما أقرت الحكومة الزيادات السعرية على مادة الديزل شكل المجلس لجنة خاصة بغرض دفع الحكومة للتراجع عن قرارها، ولم يتمكن المجلس من تمرير توصيات اللجنة وذلك لموقف الحكومة الرافض للتراجع عن قرارها لأنها ملتزمة بجدول زمني لرفع الأسعار، ومن ثم شكل المجلس لجنة ثانية وثالثة أقر المجلس توصياتهما والقاضية بالموافقة على الزيادة السعرية بشرط التزام الحكومة بالإصلاح الإداري. ويدل ذلك على قدرة الحكومة على تمرير سياساتها وعدم قدرة البرلمان على اتخاذ قرارات ملزمة للحكومة.
2- دور اللجان الدائمة في السياسة الاقتصادية:
احتلت القضايا الاقتصادية والمالية الحيز الأكبر من نشاطات المجلس، ونشطت اللجان الدائمة في القيام بأدوارها، سواء الأدوار الرقابية أو التشريعية، ولعل أبرز الأدوار التي اضطلعت بها تلك الجان كان من نصيب لجنة التنمية والنفط التي لعبت دوراً مهماً في ما يتعلق بمراقبة تنفيذ الحكومة للاتفاقيات النفطية، ومراقبة أداء الحكومة في مايتعلق بالنفط والغاز. وقد تمثل ذلك في موقفها الرافض لسلوك الحكومة في بيع 60% من قطاع (53) حضرموت، وطالبت في تقريرها الأول بإيقاف الاتفاقية وإعادة النظر فيها، ومساءلة المسؤولين عن إبرامها. وهو الأمر الذي أقرته لجنة مشتركة من مجلس النواب، و أقر المجلس التوصيات التي أوردتها اللجنتان والقاضية بإلزام الحكومة بالتراجع عن قرار البيع، وهو ما استجابت له الحكومة.
بالإضافة إلى ذلك فإن اللجنة أبدت رفضها لمحاولة الحكومة تمديد الاتفاقية المبرمة مع شركة هنت بعد انتهاء مدة سريانها في 15 نوفمبر 2005، من خلال التوصيات التي أقرها المجلس، الأمر الذي أجبر الحكومة على التراجع عن خطوتها تلك.
كما كان للجنة دور فاعل في قضية بيع الغاز المسال، فقد خلصت اللجنة في تقريرها إلى عدد من التوصيات. ورغم التزام رئيس مجلس الوزراء والحكومة بتوصيات مجلس النواب إلا أن مصدراً مسؤولاً بمكتب رئاسة الوزراء قد أكد على أن مجلس النواب أقر اتفاقية الغاز في العام 1996، ومن ثم لا يجوز من الناحية الدستورية تعطيل اتفاقية صادرة منه عن طريق توصية جديدة.
ورغم أداء مجلس النواب الفاعل فيما يخص الثلاث قضايا الأنفة الذكر، إلا أنه في الحالة الأولى استطاع أن يجبر الحكومة على التراجع عن بيع القطاع (53) بالرغم من أنه لم يستطع إلزام الحكومة بتوصياته القاضية بعدم تكليف الدولة أي أعباء مالية. وفي القضية الثانية تمكن المجلس من إجبار الحكومة على التراجع عن التمديد لشركة هنت، أما في القضية الثالثة فرغم أنه عارض اتفاقية بيع الغاز المسال تمثل ذلك في التوصيات التي أوردها للحكومة، والقاضية بالعودة إليه قبل توقيع اتفاقية البيع، إلا أن الحكومة لم تلتزم بذلك ولم يستطيع المجلس مساءلتها.
ويمكن تفسير جزء من نجاح اللجان الاقتصادية والمالية خاصة لجنة التنمية والنفط في دورها الرقايي إلى المستوى التعليمي الذي تمتع به أعضائها، حيث يرتبط بتشكيل اللجان مؤهلات أعضائها لما له من أهمية في قدرتها على فهم القوانين والتشريعات أو القضايا التي في نطاق اختصاصاتها، حيث نجد أن اللجنة المالية أكثر من نصف أعضائها من حملة المؤهل الجامعي، في حين أن أكثر من نصف أعضاء لجنة التموين والتجارة أقل من مؤهل بكالوريوس، والأمر يختلف بالنسبة للجنة التنمية والنفط والتي أكثر من نصف أعضائها من حملة مؤهل البكالوريوس، بل أن أثنين من أعضاءها حصلا على درجة الدكتوراة والماجستير في برلمان 1997، وقد اتضح تأثير ذلك على أداء تلك اللجان.
3- الدور الرقابي للبرلمان اليمني 2006-2010:
اقتصرت أدوار المجلس خلال الخمسة الأعوام الأخيرة على الشئون العادية من إقرار التشريعات والموازنات العامة والحسابات الختامية، ونادرا ما كان يتم مناقشة القضايا الاقتصادية والإصلاحات السعرية، باستثناء مناقشة ما يتعلق بأسباب ارتفاع السلع الأساسية في العام 2008. ونتيجة لاشتداد الأزمة السياسية بين السلطة والمعارضة وغلبة القضايا الأمنية وخاصة حرب صعدة الخامسة والسادسة والاحتجاجات في المحافظات الجنوبية والشرقية والعمليات الاستباقية التي قامت بها الحكومة في مواجهة تنظيم القاعدة في أواخر العام 2009، فقد طغت تلك القضايا على مناقشات المجلس، ومساءلته للحكومة، وتشكيل لجان لتقصي الحقائق حول المسائل والأحداث الأمنية.
وقد اتسم أداء مجلس النواب في الأعوام الخمسة الأخيرة بالضعف، لأسباب عدة منها تركيبة المجلس وطبيعة المستوى التعليمي ونوعية الأعضاء، فضلاً عن غياب التوازن السياسي بين الكتل البرلمانية في ظل الأغلبية التي تمتع بها الحزب الحاكم منذ الانتخابات البرلمانية في العام 2003، والتي بلغت ثلاثة أرباع أعضاء المجلس.
وساهمت تلك العوامل مجتمعة في ضعف المجلس، خاصة ما يخص وظيفته الرقابية، بالإضافة إلى عقد المجلس دوراته من غير اكتمال النصاب في مخالفة للائحته. وهو الأمر الذي يؤكده عدد من أعضاء البرلمان من الكتل البرلمانية المختلفة، وأن البرلمان ظهر ضعيفاً أكثر خلال العام 2009، خاصة بعد اتفاق فبراير من نفس العام، الذي تضمن التمديد للمجلس عامين، على أن يقوم المجلس بإجراء تعديلات دستورية وقانونية تهدف إلى إحداث إصلاحات في النظام السياسي والنظام الانتخابي، ومن أنه لم يحقق ما كان يجب أن يقوم به، وانحصر اهتمامه بإقرار الموزانات العامة والاعتمادات الإضافية والموافقة على سياسات الحكومة، وأصبح يعكس ما تريده الحكومة. كما أن الأزمة السياسية بين السلطة والمعارضة قد انعكست على أداء المجلس في نفس العام 2009، واتسم معظم جلساته بعدم حضور أحزاب المعارضة، بل ومقاطعة تلك الأحزاب لجلساته في ديسمبر 2009 احتجاجاً على إجراء الانتخابات البرلمانية التكميلية، كون فترة المجلس القانونية انتهت والتمديد له كان وفق توافق سياسي، الأمر الذي اعتبرته المعارضة خروجاً على اتفاق فبراير 2009.
وتمثل الموازنة العامة والاعتمادات الإضافية مثالان رئيسان للاستشهاد بعدم قدرة المعارضة والمستقلين بل بعض أعضاء الحزب الحاكم من عدم قدرتهما على تمرير اعتراضاتها، وتؤكد ضعف المجلس ووقوف رئاسته مع الحكومة وإقرار ما تريده.
الموازنة العامة: فيما يتعلق بإقرار الموازنات في المجلس، خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، لقيت الموازنة العامة للدولة معارضة من أحزاب اللقاء المشترك والمستقلين، وتفاوت التعبير عن معارضتها بأشكال متعددة، تمثل في التصويت بالرفض للموازنة العامة للعامين 2006 و 2007، والانسحاب من جلسة التصويت على الموازنة العامة للعام 2008، وبررت كتل أحزاب المعارضة في المجلس في بيانات أصدرتها مع كتلة المستقلين رفضها لغموض أرقام الموازنة العامة، وعدم التزام الحكومة بتوصيات المجلس والمكررة منذ العام 2004، وانحياز الحكومة للإنفاق الجاري على حساب الإنفاق العام الاستثماري، وتراجع اعتماد قطاع التعليم والصحة، وتحذيرها من مخاطر الاقتراض واستقطاع مبالغ كبيرة من مخصصات الموازنة لسداد فوائد القروض الخارجية، وكذلك رفضها لطريقة التصويت على الموازنة برفع الأيدي خلافاً للائحة المجلس الداخلية. وعند إقرار الموازنة العامة للعام 2010، كانت الكتل البرلمانية لأحزاب اللقاء المشترك في حالة مقاطعة لجلسات المجلس منذ أواخر العام 2009.
الاعتمادات الإضافية: عكست الاعتمادات الإضافية الأزمة الاقتصادية والسياسية بين السلطة والمعارضة، حيث دافع رئيس اللجنة المالية في البرلمان عن قرار الحكومة بشأن الاعتماد الإضافي للعام 2005، واتهم المعارضة بالتناقض في رفضها رفع الدعم عن المشتقات النفطية، وبنفس الوقت تعترض على دعمها بنسبة 60 بالمئة من الاعتماد الإضافي غير 10 بالمئة لزيادة رواتب موظفي القطاع العام وتوزع باقي الاعتماد على نفقات ضرورية للدفاع والأمن ومشاريع التنمية من كهرباء وطرق ومياه، في حين وصف نواب المعارضة الاعتماد بالفساد الإضافي، منتقدين تقرير اللجنة المالية الذي اعتبروه متناقضاً من حيث تضمنه لملاحظات تدين بعض صرفيات الاعتماد، وفي نفس الوقت توصيته مجلس النواب بالموافقة عليه.
وتكرر الأمر حول الاعتماد الإضافي لعام 2007، حيث لم يحل انتقاد نواب المعارضة وبعض نواب الحزب الحاكم للاعتماد الإضافي دون تمريره وإقراره من قبل المجلس، فقد انتقد نائب رئيس البرلمان حينها اعتراض النواب على جملة الاعتماد الإضافي، وذكرهم بتفويض البرلمان للحكومة لحسم قضية صعدة وتسوية أوضاع المتقاعدين وإعادة المنقطعين للخدمة العسكرية في المحافظات الجنوبية والشرقية، وجاء ذلك في سياق انتقاده النواب لاستحواذ الدفاع والأمن على جزء كبير من نفقات الاعتماد الإضافي، وضرورة مساءلة الحكومة لخرقها الدستور والقانون بصرفها مبالغ الاعتماد الإضافي دون الرجوع للبرلمان من إقرار الاعتماد الإضافي في نهاية المطاف.
رابعاً: ضعف الوظيفة الرقابية للبرلمان اليمني:
ويتضح مما سبق، أن هناك ضعفاً في الجانب الرقابي لصالح الجانب التشريعي، حيث ركز المجلس في أداء دوره على المجال التشريعي، وتمثل ذلك في كم القرارات بقوانين ومشروعات القوانين التي أصدرها، واستغرقت معظم أوقات المجلس وجهوده، وترك الجانب الرقابي مهمشاً. وعموماً فإن أداء المجلس رغم فاعليتة باتخاذ قرارات بالأغلبية وتمرير توصيات لجانه، يبدو منعدم الفاعلية بشأن متابعة تنفيذ توصياته، فالمجلس أضعف من أن يحاسب الحكومة وهو أضعف في متابعة قراراته.
وعلى الرغم من وصف إحدى الدراسات مجلس النواب اليمني بأقوى سلطة تشريعية–مقارنة بغيره من البرلمانات العربية-في الدستور الذي منح البرلمان صلاحية التشريع والإقرار لهذه التشريعات، ومساءلة رئيس الوزراء ووزرائه عن واجباتهم والموافقة على برامج الحكومة أو سحب الثقة من الحكومة، وإقرار أو رفض الموازنات العامة، إلا أنه في الممارسة السياسية فإن هذه السلطة وصلاحياتها مقيدة تماماً، حيث عمل النظام على تحجيم هذا الحق الدستوري من خلال سلب أعضاء البرلمان مهمتهم التشريعية والرقابية، ليصبحوا مجرد أداة لإقرار ما تريده السلطة التنفيذية فقط (Sara Phillips, 2007).. ويتأكد ذلك في غلبة الجانب التشريعي على الجانب الرقابي، واتسام الأخير بالضعف، ويرجع ذلك بالأساس إلى أسباب عديدة أهمها هيمنة الحكومة على مجريات العملية التشريعية والرقابية من خلال الأغلبية البرلمانية التي تمتع بها المؤتمر الشعبي العام الحزب الحاكم وخاصة منذ العام 1997، وهو ما انعكس على ضعف المجلس في الجانب الرقابي، فلم يتمكن من طلب سحب الثقة من الحكومة في حالات عدم التزامها المتكرر بتوصياته، ومخالفتها للدستور في حالات أخرى، وعدم العودة إليه حتى لتبرير عدم قدرتها على التنفيذ.
ولم تؤد مواقف المعارضة الرافضة – في إطار مجلس النواب- لبرامج الحكومة وللموازنات العامة للدولة إلى تراجع الحكومة عن سياساتها الاقتصادية، كما لم تلتزم الحكومة بتوصيات المجلس وتوصيات لجنة الموازنة وذلك لتمتع الحكومة بالأغلبية البرلمانية التي تمكنها من إقرار الموازنات وتنفيذ خططها كما تريد دون محاسبة ومسألة. وهو الأمر الذي أضعف الجانب الرقابي لمجلس النواب في مواجهة الحكومة.
وقد أدى وجود حكومة مهيمنة على مجلس النواب إلى عدم قدرة المجلس على القيام بأهم صلاحياته الدستورية في محاسبة ومساءلة الحكومة، وهو الأمر الذي نتج عنه تعثر في السياسات الاقتصادية، واقتصارها على الجانب المالي دون الجوانب الأخرى وخاصة الجانب الإداري وضعف الجانب الرقابي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق