ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الثقة بالله أزكى أمل والتوكل عليه أوفى عمل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السبت، 17 أبريل 2010

مبادرات الإصلاح السياسي بين الواقع والتصورات


ورقة مقدمة للندوة السياسية 
" الإصلاحات السياسية بين المبادرات والمتغيرات الواقعية" التي نظمها المركز اليمني للحقوق المدنية
في عدة محافظات خلال الفترة يوليو 2009 - يناير 2010

مقدمــــة

منذ قيام الجمهورية اليمنية وحتى وقتنا الراهن ظلت قضية الإصلاح الشامل بكافة جوانبه السياسية والاقتصادية والإدارية والمالية الشغل الشاغل لدى السلطة والمعارضة، وتبادلت تلك الجوانب الأولوية والاهتمام أجندة القوى السياسية وفقاً للظروف وتعاقب المراحل التي مرت بها الدولة الوليدة ، حيث واكب دولة الوحدة محطات عصيبة أبرزها الفترة الانتقالية، والأزمة السياسية التي أعقبتها حرب صيف 1994 وما نتج عنها من تداعيات سلبية.

وخلال تلك الفترات من عمر الوحدة اليمنية ظل اليمنيون يبحثون عن أفضل السبل لإصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية التي ترتبت عن تلك الأزمات والتداعيات، فظهرت توجهات رسمية للإصلاح، ولعل أهمها برنامج البناء الوطني الذي تم وضعه في العام 1991، إلا أنه لم يكتب له النجاح بفعل الأزمة السياسية بين شريكي الحكم والاستعداد لأول انتخابات نيابية في الجمهورية اليمنية، و امتدت تلك الأزمة إلى ما بعدت الانتخابات وما حملته من تداعيات سياسية دفعت الأطراف السياسية للتوصل إلى تشكيل لجنة الحوار الوطني التي انبثق عنها وثيقة العهد والاتفاق في فبراير من العام 1994، غير أن الأمور كانت قد أخذت منحى آخر، فمع احتدام الأزمة السياسية التي انتهت إلى المواجهة المسلحة بين شريكي تحقيق الوحدة في حرب صيف 1994، وأصبحت تلك الوثيقة في حكم المنتهية وخاصة من قبل الائتلاف الحاكم الذي تشكل بعد الحرب، في حين أكدت أحزاب المعارضة في إطار "التكتل الوطني للمعارضة" تمسكها بتلك الوثيقة على أساس أنها لا تخص الأحزاب والتنظيمات السياسية التي وقعت عليها وإنما أضحت ملكاً للشعب كله.

الإصلاح السياسي:

مع تعاقب الأحداث السياسية والاقتصادية خلال الفترة من العام 1995 وحتى العام 2005، أخذت القضية الاقتصادية تحتل الأولوية على ما عداها من القضايا، وإن كانت القضية الأمنية قد بدأت تأخذ الصدارة في سلم اهتمام القيادة السياسية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، فإن كل ذلك قد أدى إلى تراجع قضية الإصلاح السياسي خلال تلك الفترة.

وعلى الرغم من أن قضية الإصلاح السياسي ظلت حاجة وطنية ملحة، إلا أنها لم تحتل سلم الأولويات إلا مع ظهور متغيرات دولية جديدة بعد احتلال العراق، تمثلت في توجهات الإدارة الأمريكية الراغبة في نشر وفرض الديمقراطية في العالم العربي خاصة خلال العامين 2005 و 2006، وبرز ذلك من خلال دعم التوجهات الديمقراطية في الوطن العربي وتحديدا في كل من العراق وفلسطين ومصر والمتمثلة في الانتخابات البرلمانية والرئاسية.

ولم تكن اليمن بمنأى عن تأثير المتغير الدولي، حيث اتضح ذلك من خلال توجهات الأحزاب السياسية في اليمن سواء على مستوى السلطة أو المعارضة، فمع تزايد الأزمات السياسية والاقتصادية التي واجهتها اليمن والمتمثلة في الاحتجاجات في المحافظات الجنوبية والشرقية وحرب صعدة والقضية الأمنية ومكافحة الإرهاب، والأزمة الاقتصادية، حيث ظلت تلك القضايا تتصدر أجندة القوى السياسية اليمنية، التي رأت أنه لا يمكن حل تلك الأزمات إلا عن طريق تبني إصلاح سياسي حقيقي. 

وتجلى ذلك في صدور عدد من المبادرات السياسية التي أكدت على أولوية الإصلاح السياسي، تمثل ذلك في مبادرات أحزاب المعارضة ومبادرات رئيس الجمهورية، والمبادرات التي قدمتها شخصيات سياسية واجتماعية وأكاديمية. ومن الملاحظ أن تلك المبادرات قد ظل الهم الأساسي فيها هو قضية الإصلاح السياسي باعتباره قاطرة كل الإصلاحات الأخرى.

أولاً: المبادرات السياسية:

إجمالي عدد المبادرات التي صدرت في الفترة 2004-2009
نوع المبادرة
حزبية
انتخابية
مؤتمر عام حزبي
رئاسية
فردية
الإجمالي
2004-2005
2
-
1
-
8
11
2006-2009
1
2
-
2
4
9
الإجمالي
3
2
1
2
12
20





يلاحظ من الجدول السابق أن إجمالي المبادرات التي صدرت خلال الفترة من العام 2004 وحتى العام 2009 بلغت عشرين مبادرة، أخذت المبادرات الفردية النصيب الأكبر حيث بلغت اثنتا عشرة مبادرة، في حين توزعت بقية المبادرات مابين مبادرات حزبية وانتخابية ورئاسية.

1- مبادرات قبل الانتخابات الرئاسية:

أ- مبادرة اللقاء المشترك:
جاءت مبادرة اللقاء المشترك في ظل مناخ دولي ضاغط ومواتي، وإجابة على عدم قدرة أحزاب اللقاء المعارضة على تبني رؤية موحدة وعلى تقديم البديل، وتمثلت تلك المبادرة في مشروع الإصلاح السياسي الوطني، والذي يتلخص في أن الإصلاح الشامل لا يمكن ضمان نجاحه ما لم يتم البدء في الإصلاح السياسي أولاً، حيث تمحورت تلك الرؤية في أن يكون شكل النظام السياسي نظام برلماني مع تحديد الصلاحيات والمسئوليات للسلطات التنفيذية والتشريعية والتنفيذية. كما تضمنت رؤية اللقاء المشترك حول إصلاح النظام الانتخابي من خلال: الأخذ بنظام القائمة النسبية ، وضمان حيادية اللجنة العليا للانتخابات، ودعت إلى إصلاح السلطة المحلية، بالأخذ باللامركزية الإدارية في أوسع صورها. والأخذ بنظام المجلسين: مجلس النواب، ومجلس الشورى، وعبر انتخابات حرة ومباشرة، ويحدد الدستور قوام مجلس الشورى وصلاحياته ويبين القانون إجراءات انتخابه، وتبعية الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة لمجلس النواب.

ب- البيان الختامي للمؤتمر السابع للمؤتمر الشعبي العام الدورة الأولي 2005:
جاء المؤتمر السابع للمؤتمر الشعبي العام في دورته الأولى 2005 في ظل مناخ دولي يؤكد على نشر الديمقراطية، وبعد أيام من صدور مبادرة اللقاء المشترك للإصلاح السياسي. وأنعكس ذلك في البيان الختامي الذي استبق ذلك في التأكيد على أن المطالبة بالإصلاح "استجابة للاحتياجات الوطنية العامة" كما اعتبر أن التعامل مع القضايا الجوهرية "تحتم إن يكون مرشح المؤتمر الشعبي العام هو الأخ الرئيس المناضل الرئيس علي عبدا لله صالح رئيس الجمهورية رئيس المؤتمر الشعبي ليتولى استكمال مهام البناء المؤسسي لدولة النظام والقانون والتقدم بالمسيرة الديمقراطية والتنموية".

وأوصى المؤتمر "بتوسيع وظيفة السلطة التشريعية من خلال إعادة النظر في تشكيل مجلس الشورى واختصاصاته"، وأنه من أجل تجسيد مبدأ اللامركزية المالية والادارية فإنه من الضرورة إجراء التعديلات المناسبة في قانون السلطة المحلية وبما يضمن انتخاب المحافظين ومدراء المديريات ومنح المجالس المحلية صلاحيات أوسع في إدارة الشئون المحلية" وأكد البرنامج على ضرورة "تعديل قانون السلطة القضائية لترسيخ مبدأ استقلالها قضائياً ومالياً وإدارياً تأكيداً لكون المحكمة العليا هي أعلى هيئة في سلم السلطة القضائية"

وفيما يخص المرأة أكد على وضع السياسات والإجراءات الهادفة إلى تطوير مشاركتها في المجتمع وتفعيل دورها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وذلك من خلال "توسيع مشاركة المرآة في الهيئات التمثيلية المختلفة وتحديد نسبة 15% من المقاعد للنساء. في الدوائر الانتخابية للمجالس المحلية والبرلمانية."

ج- مبادرات فردية:
جاءت هذه المبادرات في إطار دعوات الإصلاح في المنطقة العربية، والاستعداد للانتخابات الرئاسية والخلاف الناشئ بين أحزاب اللقاء المشترك والمؤتمر الشعبي العام حول تشكيل اللجنة العليا اللانتخابات.

فقد جاءت إحدى تلك المبادرات كمشروع لمبادرة يمنية للإصلاح السياسي والإداري، وفيما يتعلق بالإصلاح السياسي اقترحت إجراء تعديلات دستورية تتضمن أن يكون نظام الدولة نظام جمهوري تعددي برلماني، وأن يتم انتخاب رئيس الجمهورية من قبل الشعب مباشرة كل خمس سنوات، وأن يتم ترشيح رئيس الوزراء من قبل حزب الأغلبية في البرلمان ويصدر بتعيينه قرار من رئيس الجمهورية، على أن يتولى رئيس الوزراء ترشيح وزرائه ويقدم برنامجه إلى مجلس النواب للحصول على الثقة، كما تضمنت الدعوة إلى انتخاب أعضاء مجلس الشورى من محافظات الجمهورية بالتساوي، على أن يكون من مهامه ترشيح أعضاء المجلس الوطني للإعلام والمجلس الوطني للدفاع والمجلس الأعلى للخدمة المدنية والمجلس الأعلى للقضاء واللجنة العليا للانتخابات ويتم إقرار الترشيح في لقاء مشترك لمجلس النواب ومجلس الشورى.

وتضمنت إقامة حكم محلي واسع الصلاحيات يعطي فيه للمواطنين حق انتخاب مجالسه المحلية وانتخاب المحافظين ومدراء النواحي وحق إدارة شؤونهم المحلية. وبناء سلطة قضائية مستقلة وموحدة بما في ذلك المحكمة الدستورية العليا. وتعديل قانون الانتخابات والنظام الانتخابي واعتماد القائمة النسبية وتحديد نسبة معينة للنساء في قوائم الأحزاب، بالإضافة إلى ذلك دعت المبادرة إلى إلغاء وزارة الإعلام ووزارة الخدمة المدنية ضماناً لحيادية الإعلام والخدمة المدنية ويمثلها في مجلس الوزراء عبر مناقشة قضايا تتعلق بالإعلام والخدمة المدنية رئيس مجلس كلا منهما. 

في حين أكدت مبادرة أخرى- جاءت في سياق الخلاف بين الحزب الحاكم والمعارضة حول تشكيل اللجنة العليا للانتخابات- على أن التوافق الوطني الممكن والمطلوب اليوم في ظل الظروف المحلية والإقليمية والدولية يتطلب "إدخال التعديلات المناسبة على قانون الانتخابات بما يكفل إعادة تشكيل اللجنة العليا للانتخابات بطريقة ترضي كافة إطراف المنظومة السياسية" واقترحت هذه المبادرة إلى استغلال النص الدستوري الخاص بالتمديد للرئيس لمدة ثلاثة أشهر وذلك بما يمكن اللجنة الجديدة من إعادة كتابة السجل الانتخابي والتحضير لانتخابات رئاسية تديرها لجنة محايدة ومستقلة ويقبل بنتائجها جميع الأطراف، أو العمل على تنقيحه ما أمكن لإزالة الشوائب وتسجيل الناخبين الجدد الذين لم يسجلوا بسبب الطريقة التي أدارت بها اللجنة القائمة عملية القيد والتسجيل. كما اقترحت إدخال تعديلات واسعة على قانون السلطة القضائية وبما يكفل إعطاء القضاء الاستقلالية المناسبة التي تعزز من دوره كحكم في مختلف النزاعات التي تنشأ في المجتمع بما في ذلك النزاعات المتصلة بالانتخابات.

في حين تضمنت مبادرة أخرى - والتي قدمت كبرنامج انتخابي لانتخابات رئاسة الجمهورية- الدعوة إلى قيام نظام اتحادي وديمقراطي يتم فيه «انتقاليًا» تداول السلطة المركزية من رئيس الجمهورية إلى رئيس الحكومة إلى رئيس البرلمان دوريًا بين الأقاليم الاتحادية الأربعة التي تصورتها للفيدرالية ثم بعد ذلك التداول الانتقالي للسلطات المركزية الملزم بمعنى كل إقليم يتولاها لفترة، يصار إلى تكوينها إلى السلطات المركزية بالآلية الانتخابية المتفق عليها، لكن قبل ذلك لا بد أن يتم تداولها دوريًا بين الأقاليم الأربعة من أجل كسر الحاجز التاريخي النفسي ويعتاد الناس على إمكانية التداول السلمي الديمقراطي.

وهناك مبادرات أخرى جاءت في سياق التطورات المحلية والدولية التي استدعت ضرورة إجراء إصلاحات سياسية ودستورية.

2- مبادرات في إطار برامج مرشحي الانتخابات الرئاسية 2006:

أ- البرنامج الانتخابي لرئيس الجمهورية مرشح المؤتمر الشعبي العام:
تضمن البرنامج الانتخابي لمرشح الحزب الحاكم الرئيس علي عبد الله صالح لمنصب رئيس الجمهورية في العام 2006، في مجال الإصلاح السياسي التأكيد على تعزيز العمل بمبدأ الفصل بين السلطات باعتباره أساساً في تنظيم العلاقات وممارسة السلطات والصلاحيات. والعمل على إجراء بعض التعديلات الدستورية الضرورية بهدف المزيد من تعزيز النهج الديمقراطي التعددي في بلادنا؛ ومنها تحديد مدة رئيس الجمهورية بـخمس سنوات بدلاً من سبع سنوات، وتشكيل السلطة التشريعية من غرفتين وبحيث يكون مجلس الشورى غرفة ثانية إلى جانب مجلس النواب، ويتم انتخاب أعضاء مجلس الشورى بطريقة مباشرة وبحيث تمثل فيه كافة محافظات الجمهورية بعدد متساو من الأعضاء وتوسيع صلاحياته التشريعية، كما تضمن البرنامج الرغبة في تطوير النظام الانتخابي عبر ضمان دورية ونزاهة الانتخابات العامة وكفالة شفافية كافة مراحلها.

كما تضمن البرنامج تشجيع زيادة مشاركة المرأة في الحياة السياسية بما يمكنها من الفوز بنصيب أكبر في المقاعد البرلمانية والمحلية، وزيادة نصيبها في شغل المناصب الوزارية والدبلوماسية والقيادية في مؤسسات وأجهزة الدولة ومنظمات المجتمع المدني.

ب- البرنامج الانتخابي لمرشح المعارضة لانتخابات رئيس الجمهورية:
أكد برنامج مرشح المعارضة للانتخابات الرئاسية (المهندس فيصل بن شملان) على أولوية الإصلاح السياسي باعتباره المدخل الرئيس لتحقيق بقية الإصلاحات التي يحتاجها اليمن.

وقد جاء هذا البرنامج استناداً إلى برنامج الإصلاح السياسي والوطني لأحزاب اللقاء المشترك ودعا فيه إلى تطوير التنظيم الدستوري لسلطات الدولة من خلال منظومة من الإصلاحات الدستورية والقانونية يأتي في مقدمتها: الفصل بين السلطات، وتحقيق التوازن بين سلطات الدولة، على قاعدة ومبدأ لا سلطة إلا بمسؤولية، وضمان آليات فعالة لمساءلتها ومحاسبتها، والأخذ بنظام المجلسين (النواب والشورى) في تكوين السلطة التشريعية، ومن خلال انتخابات حرة ومباشرة لكل منهما، وتحديد مدة مجلس النواب بأربع سنوات، ومدة رئيس الجمهورية بخمس سنوات وإصلاح النظام الانتخابي من خلال: الأخذ بنظام القائمة النسبية الذي يضمن التمثيل العادل لكل فئات المجتمع. وتعزيز الدور الرقابي للسلطة التشريعية من خلال: تخويلها صلاحيات الإقرار والتعديل للموازنة العامة للدولة. و تبعية الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة لمجلس النواب - تقييد نفاذ قرارات التعيينات التي تتخذها الحكومة لمحافظ البنك المركزي، وللسفراء، ولكبار المسئولين المدنيين والعسكريين بموافقة مجلس الشورى المنتخب. والعمل على إصدار تشريع خاص بالتداول السلمي للسلطة ينظم إجراءات نقل السلطة بطريقة سلسة وآمنة وفقاً لنتائج الانتخابات.

ودعا برنامج مرشح المعارضة إلى الأخذ باللامركزية الإدارية في أوسع صورها، وبما يكفل توسيع قاعدة المشاركة السياسية، وإتاحة الفرص الواسعة أمام كل أبناء الوطن للإسهام الفعال في التنمية والبناء الوطني، وذلك باعتماد مبدأ الانتخاب لمحافظي المحافظات, ولمديري المديريات، ومنح السلطات المحلية المنتخبة كافة الصلاحيات المالية والإدارية التي تمكنها من إدارة شؤونها التنموية والخدمية المحلية، تخطيطا وتنفيذا، وفي إطار السياسة العامة للدولة التي يقرها البرلمان، ورصد الموازنات المالية الكافية لذلك، وتعديل قانون السلطة المحلية بما يضمن إزالة القيود المركزية.

3- المبادرات التي صدرت بعد الانتخابات الرئاسية:
ولعل الفترة التي أعقبت انتخابات رئاسة الجمهورية مثلت الفترة الخصبة في إصدار تلك المبادرات أهمها، إذا أنها جاءت في انتظار إصلاحات يقوم بها رئيس الجمهورية وفقاً لما جاء في برنامجه الانتخابي، كما أنها جاءت في مواجهة الأزمات التي حدثت خلال الفترة من 2005-2009، وأبرزها حرب صعدة والاحتجاجات في المحافظات الجنوبية والشرقية.

أ- المبادرات الرسمية:
- مبادرة رئيس الجمهورية بمقترحات التعديلات الدستورية (سبتمبر 2007):
جاءت هذه المبادرة بعد عام من انتخاب رئيس الجمهورية في العام 2006، وحاولت أن تعكس معظم ماجاء في برنامجه الانتخابي فيما يخص الإصلاح السياسي، ومثلت أول مبادرة رسمية تنص على شكل النظام السياسي رئاسيا كاملا. وأكدت على أن تكون مدة رئاسة الجمهورية خمس سنوات، وعلى تكوين السلطة التشريعية من غرفتين تشريعيتين هما مجلس النواب ومجلس الشورى مدة كل منهما أربع سنوات. وفيما يتعلق بالسلطة المحلية نصت على استبدل مسمى السلطة المحلية بالحكم المحلي، على أن يكون رئيس الحكم المحلي منتخبا من هيئة الناخبين وفقا للقانون ويكون لمجلس الحكم المحلي صلاحيات يحددها، وينعكس ذلك الوضع على المديريات ووفقا لما يحدده القانون. كما نصت المبادرة على إنشاء شرطة محلية في المحافظات ويكون هناك أمن عام مركزي يمثل كافة المحافظات مثله مثل الجيش الذي يكون سياديا ويمثل الوطن كله وينظم ذلك القانون.

ونصت المبادرة على أن يتم تشكيلها اللجنة العليا للانتخابات بناء على ترشيح مجلس القضاء الأعلى لعدد 14 شخصا من القضاة من ذوي الكفاءة والنزاهة ويتم اختيار سبعة منهم من رئيس الجمهورية ويصدر بهم قرارا من قبله وتكون اللجنة في ممارستها لمهامها محايدة ومستقلة وفقا للدستور. كما تضمنت المبادرة مقترح تخصيص نسبة 15 بالمائة للمرأة في الانتخابات لعضوية مجلس النواب.

- تعديل قانون السلطة المحلية أبريل 2008 وانتخاب المحافظين (مايو 2008):
يعد تعديل قانون السلطة المحلية الخطوة الأولى باتجاه تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية وجزء من المبادرة التي أعلنها في سبتمبر 2008 بمقترح التعديلات الدستورية، فيما يخص السلطة المحلية، حيث تم تعديل بعض مواد القانون، نصت على أن يتم انتخابه محافظ المحافظة بالاقتراع السري من قبل هيئة انتخابية تتكون من المجلس المحلي للمحافظة ومجالس مديريات المحافظة، وأن تكون ولايته أربع سنوات، على أن يجور له ترشيح نفسه وإعادة انتخابه لولاية ثانية تالية فقط في ذات المحافظة. كما تضمن القانون تعديلات حق لأغلبية أعضاء المجلس المحلي للمحافظة المستمرة عضويتهم أن يتقدموا إلى الوزير كتابة بطلب دعوة أعضاء المجلس المحلي للمحافظة ومجالس المديريات للانعقاد في اجتماع استثنائي للنظر في أمر سحب الثقة من المحافظ، وفي هذا الخصوص يحق لثلث أعضاء المجلس المحلي بالمديرية المستمرة عضويتهم أن يتقدموا إلى المحافظ كتابةً بطلب دعوة المجلس المحلي بالمديرية للانعقاد في اجتماع استثنائي للنظر في أمر سحب الثقة من مدير عام المديرية.

وقد تم بموجب هذه التعديلات انتخاب المحافظين وأمين العاصمة، ولم تلق هذه التعديلات قبولاً لدى أحزاب المعارضة، فضلا عن إعلان تلك الأحزاب مقاطعتها لانتخابات المحافظين التي عقدت في السابع عشر من مايو 2008.

- مشروع التعديلات الدستورية المقدمة إلى مجلس الشورى في يونيو 2008م
وعلى إثر التعديلات في قانون السلطة المحلية، أرسل رئيس الجمهورية برسالة إلى مجلس الشورى مرفق بها مشروع التعديلات الدستورية، وأبرز ما جاء فيها: أن يكون مجلس الأمة هو السلطة التشريعية ويتكون من مجلسين (النواب والشورى) مدة كل منهما أربع سنوات، على أن يتألف مجلس الشورى من الأعضاء المنتخبين والمعينين يمثلون المحافظات بالتساوي بحيث يتم انتخاب خمسة أعضاء من كل محافظة عن طريق هيئة ناخبة تتكون من مجموع رئيس وأعضاء المجلس المحلي للمحافظة ورؤساء وأعضاء المجالس المحلية في مديريات المحافظة، ويحدد القانون الإجراءات المتعلقة بترشيحهم وانتخابهم، ويتولى رئيس الجمهورية تعيين نسبة 25% من عدد أعضاء المجلس المنتخبين.

وتضمن مقترح التعديلات على أن تتكون السلطة التنفيذية من فرعين (رئاسة الجمهورية، ومجلس الوزراء) وهو نفس الحال في الدستور الحالي، ومغاير لما جاء في مبادرة رئيس الجمهورية في سبتمبر 2007 من أن يكون شكل النظام السياسي رئاسيا.

في حين أكدت مقترح التعديلات مبادرة رئيس الجمهورية في سبتمبر 2007 بأن يتم استبدال مسمى أجهزة السلطة المحلية بـالحكم المحلي، وتضمنت تلك التعديلات نقل المزيد من الصلاحيات إلى هيئات الحكم المحلي في المديريات والمحافظات بهدف التطبيق للامركزية الإدارية والمالية، وأن يكون للوحدات الإدارية شرطة محلية تتبع المجالس المحلية.

وأبرز ماجاء في مقترح التعديلات الدستورية أن يتولى الرقابة على الأموال والممتلكات والموارد العامة جهاز أعلى للرقابة والمحاسبة المالية مستقل رقابيا ومالياً وإدارياً.

ب- المبادرات الفردية:

ركزت إحداها (يناير 2008) على تقسيم اليمن إلى أقاليم، ودعت للخروج من الأزمة التي تهدد البلاد بالتمزق والحروب الأهلية والتشظي ليس إلى شطرين فحسب بل إلى عشرات الأشطار، إلى اعتراف السلطة بالأزمة، واقترحت الدعوة لمؤتمر وطني يحضره عقلاء اليمن كافة تحت رعاية رئيس الجمهورية ونائبه على أن يتم عقد هذا المؤتمر في مدينة عدن خلال شهر على الأكثر من تاريخ المبادرة ويستمر لمدة لا تقل عن أسبوعين ، وتناقش فيه المسألة الوطنية برمتها وعمل حلول للخروج من تلك الأزمات. على أن تناقش في هذا المؤتمر كل الجرائم والسلبيات التي ارتكبت في حق الوطن والمواطنين خلال أعوام الوحدة ، واقتراح حلول جديه لكل شئ ووضع آليات لتنفيذ تلك الحلول مع إعطاء كافة الصلاحيات لمن يكلف بهذا الأمر مع سرعة التنفيذ. ويتم وضع القضايا التالية تحديداً على جدول أعمال المؤتمر مع إضافة قضايا أخرى يقرها المؤتمريون حينها.

في حين رأت مبادرة أخرى – صدرت على إثر الاحتجاجات في المحافظات الجنوبية والشرقية نهاية أبريل 2009- أن حل الأزمة اليمنية يرتكز على تقسيم إداري جديد يتم بمقتضاه توزيع الوظائف القيادية والسيادية وفق معايير تضمن عدم تفرد أية وحدة إدارية بها، وقدمت ثلاث بدائل للتقسيم الإداري، على أن يتم إنشاء عاصمة سياسية لليمن الموحد في منطقة الجند بمحافظة تعز.

في حين اقترحت مبادرة أخرى (مايو 2009) لحل لأزمة القائمة في أحد شقيها تقسيم البلاد إلى ثلاث مناطق أو أقاليم إدارية كبيرة على النحو التالي : الإقليم الجنوبي : ويتكون من المحافظات الست التي كانت تكون سابقاً (الشطر الجنوبي)، الإقليم الأوسط: ويتكون من المحافظات " تعز - إب - البيضاء - مأرب - ذمار- الجوف وريمه، الإقليم الشمالي: ويتكون من بقية محافظات الشطر الشمالي سابقاً.

كما اقترحت في شقها الأخر لحل الأزمة اليمنية بتوسيع رقعة التحرك الشعبي في كل اليمن للمطالبة برحيل النظام، على أن تؤول السلطة بشكل انتقالي إلى نائب الرئيس ولمدة لا تزيد عن عامين فقط، يقوم باعتباره رئيساً انتقالياً بتشكيل حكومة انتقالية تكون من ممثلين عن القوى الرئيسية الفاعلة في الساحة وهم الحراك الجنوبي والحزب الاشتراكي وجماعة الحوثيين وممثلين عن بقية أحزاب اللقاء المشترك وممثلين للمؤتمر الشعبي العام، واقترحت المبادرة أنه في حالة تعذر انتقال السلطة بشكل سلس إلى الرئيس الانتقالي لسبب أو لآخر يكتفي بقيام الإطراف الفاعلة التي تولت تنظيم الحراك الشعبي الشامل والكامل بتشكيل حكومة انتقالية، وفي الحالتين يحظر على الرئيس الانتقالي وأعضاء الحكومة الانتقالية الترشح لأي انتخابات تجري في ظل توليهم السلطة.

وهناك من دعا من أسماهم بالممسكين بالسلطة للتضحية من أجل الحفاظ على الوحدة ليس بمليون شهيد ولكن ببعض المصالح غير المشروعة وبالتخلي عن الصلاحيات المطلقة للفرد. وأكد أيضا على ضرورة التخلي عن المركزية والصيغة الاندماجية باعتبارها قد أثبتت فشلها والأخذ بالحكم المحلي الكامل وليس واسع الصلاحيات.

ج- المبادرات الحزبية:

- مبادرة اللقاء المشترك:
سعت أحزاب اللقاء المشترك لتبني مبادرة عملية تمثلت في عقد لقاءات للتشاور الوطني تم فيها تدارس جميع القضايا السياسية والاقتصادية والأزمات التي تواجهها اليمن من خلال توسيع مشاركة كافة فئات المجتمع:

ملتقى التشاور الوطني:
تزامن عقد ملتقى التشاور الوطني مع مناسبة عيد الوحدة 20-21 مايو 2009، ودعا الملتقى كل أبناء الشعب اليمني وقواه السياسية والاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني والعلماء والمثقفين لإجراء حوار وطني واسع وعميق حول مختلف القضايا والمشكلات الوطنية ليشكل الجميع رافعة تغيير سلمي وإنقاذ وطني يخرج البلاد من براثن الوضع الراهن. وأعلن الملتقى عن تشكيل اللجنة التحضيرية للحوار الوطني من (90) عضواً بالإضافة إلى تشكيل لجان الفئات المجتمعية تتولى جميعها إدارة عملية الحوار والتحضير والإعداد لعقد مؤتمر وطني للحوار أو أكثر. وأكدت وثيقة الحوار الوطني التي أقرها ملتقى التشاور بأن الوطن اليوم أمام خيار الفرصة الأخيرة لإنقاذه من الأزمات.

اللجنة التحضيرية للحوار الوطني:

وقد أعلنت اللجنة التحضيرية للحوار الوطني رؤيتها للإنقاذ الوطني (سبتمبر 2009) - بعد الرسائل المتبادلة بين المؤتمر الشعبي العام وأحزاب اللقاء المشترك، التي تضمنت تبادل الاتهامات بتحميل كل طرف الآخر فشل الحوار، وبعد شهر من اندلاع الحرب السادسة في صعدة- وقد تضمنت الرؤية تشيخصاً للوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأزمات الوطنية التي تمر بها البلاد، واشتملت على الحلول والمعالجات الإنقاذية والآليات التنفيذية والدعوة لحوار وطني يضم كافة الأطراف المعنية.

وحول الإصلاح السياسي، تضمنت الرؤية الأخذ بالنظام البرلماني، وضرورة قيام وبناء الدولة الوطنية على اللامركزية من أجل تحقيق الشراكة الوطنية في الحكم والثروة لكل اليمنيين والتي اعتبرتها الرؤية الصيغة الممكنة لوضع اليمن موحداً ومستقراً، وطرحت بهذا الخصوص ثلاثة خيارات (الحكم المحلي كما ورد في وثيقة العهد والاتفاق، والفيدرالية، والحكم المحلي كامل الصلاحيات)، وأنه سيجري التوافق على الخيار المناسب من خلال الحوار الوطني الموسع وفقاً لعدة مرتكزات لقيام اللامركزية. كما أكدت الرؤية على نظام التمثيل النسبي (القائمة النسبية) كنظام انتخابي بديل، وعلى وجود مجلسين تشريعين تحت مسمى المجلس الوطني (النواب والشورى) يتم انتخاب المجلس الثاني بالتمثيل المتساوي بين الأقاليم، وعلى أن يكون من ضمن مهام الاجتماع المشترك للمجلسين انتخاب رئيس الجمهورية ولهما صلاحية إعفاؤه من منصبه.

- مبادرة حزب رابطة أبناء اليمن:
وتعد مبادرة رابطة أبناء اليمن من أواخر المبادرات الصادرة عن أحزاب المعارضة التي طرحت لحل الأزمة السياسية في البلاد، ويبدو أنها حاولت الاستفادة من المبادرات السابقة، واعتبرت المبادرة أن الوحدة بنظام الدولة البسيطة القائم ،المركزية، وسيادة قانون القوة ، ومحاولة الانفصال كلاهما شقي رحى ستطحن الوطن والمواطن. لذلك فإن الأخذ بنظام الدولة المركبة واللامركزية الكاملة هو ما تحتاجه بلادنا لأنه قد أثبتت التجارب التاريخية والمعاصرة أن مركزية الحكم وفق نظام الدولة البسيطة، هي العامل الأساس لكل المشاكل التي تمر بها اليمن. وأن أول أسس المخرجات المتوخاة من الإصلاح السياسي هو نظام الدولة المركبة القائم على نظام الحكم المحلي الكامل الصلاحيات والمنتخبة مجالسه انتخاباً ديمقراطياً حراً

كما دعت المبادرة إلى اعتماد نظام المجلسين التشريعيين المنتخبين بما يحقق التوازن الحقيقي، واعتماد نظام الانتخابات بالقائمة النسبية، حيث يتحول الوطن إلى دائرة واحدة بالنسبة لمجلس النواب، وتتحول كل وحدة محلية إلى دائرة واحدة بالنسبة لانتخابات مجلس الشورى وانتخابات المجالس المحلية، وإلى قيام سلطة قضائية محلية مستقلة وسلطة قضائية اتحادية. وحول شكل النظام السياسي تبنت المبادرة اعتماد نظام الحكم الرئاسي الكامل الأركان بحيث يتم انتخاب الرئيس ونائبه معا، مباشرة من قبل الشعب.

واقترحت المبادرة قيام جهاز خدمة مدنية اتحادي مستقل، وأجهزة خدمة مدنية محلية مستقلة. وخصخصة الإعلام، لتتحول مؤسساته إلى شركات مساهمة، وإنشاء أمن محلي وأمن عام اتحادي. على أن يتم بشأن باقي أجهزة ومؤسسات وسلطات الحكم المحلية وصلاحياتها الكاملة وتنظيم علاقاتها بالسلطات الفيدرالية ما يتم في مثيلاتها في العالم. 

وقدمت المبادرة آلية لتنفيذ مقترحاتها تمثلت بأن يدعو رئيس الجمهورية لمؤتمر للحوار الوطني لا يستثنى منه أحد، ويتولى هو رئاسته، وقد حددت المبادرة الشخصيات الوطنية والحزبية التي يجب حضورها المؤتمر، واقترحت حضور ممثلين عن الجامعة العربية ومجلس التعاون لدول الخليج العربية. على أن تتلخص مهام المؤتمر الوطني للحوار بصياغة مشروع التعديلات الدستورية والقانونية المطلوبة لاستيعاب قضايا الإصلاحات وإعادة الهيكلة للدولة ونظام الحكم. وتشكيل حكومة وحدة وطنية يرأسها الأخ رئيس الجمهورية، وله نائب أو أكثر، وتقوم تلك الحكومة بالإجراءات التنفيذية للإصلاحات الشاملة وإعادة الهيكلة لنظامي الدولة والحكم، والتنسيق مع مجلس النواب لاعتماد التعديلات الدستورية والقانونية، ثم إجراء استفتاء على ما يقتضي الاستفتاء عليه من التعديلات الدستورية. كما ارتأت المبادرة أن يستمر المؤتمر الوطني للحوار كجهة رقابة ومتابعة لتنفيذ ما أقره في حواره. وأن يتم تشكيل هيئة ضمان وطنية من أعضاء المؤتمر الوطني للحوار ومن كافة فئات المجتمع، حددت المبادرة عددهم من كل فئة، على أن يكون التوافق عليهم من قبل المؤتمر الوطني للحوار بطريقة تحقق توازنا، ومهمة هذه الهيئة ترتيب الضمانات اللازمة لانجاز تنفيذ المخرجات المتوخاة من مؤتمر الحوار الوطني وما ينبثق عنه، خلال الفترة من إعلان المبادرة حتى الانتخابات التشريعية القادمة، التي يتم الإعداد لها مع الانتخابات المحلية والرئاسية.

ثانياً: القضايا الرئيسية في المبادرات:

مع تعدد المبادرات التي صدرت لا يمكن إلا أن نستشعر صدق نوايا أصحابها، وحرصهم على تجنيب الأزمات السياسية والاقتصادية، حيث استطاعت جميعها تشخيص المشاكل والقضايا التي تمر بها اليمن، وأجمعت على أولوية الإصلاح السياسي ومن أنه يمثل حاجة وطنية ملحة لا تحتمل التأجيل. 

وقد تمحورت تلك المبادرات حول عدة قضايا أساسية، وإن اختلفت في رؤاها وتصوراتها وسبل الحل، إلا أن القاسم المشترك فيما بينها هو الاعتراف بوجود أزمة، ورغبتها في إيجاد حلول لها. وتركزت تلك القضايا الأساسية في شكل الدولة وشكل النظام السياسي وحول بنية السلطة التشريعية وطبيعة النظام الانتخابي.

1- شكل الدولـــة:
يلاحظ أنه على الرغم من أن مبادرة أحزاب اللقاء المشترك التقت مع توجهات الحزب الحاكم (المؤتمر الشعبي العام في بقاء شكل الدولة في صورته الحالية، إلا أن أحزاب اللقاء المشترك في إطار اللجنة التحضيرية للحوار الوطني قد وضعت خيار الفيدرالية كأحد الخيارات المطروحة للحوار إلى جانب خيار الحكم المحلي، في حين أن مبادرة رابطة أبناء اليمن أكدت على ضرورة تبني نظام الدولة المركبة (الفيدرالية) كخيار وحيد، واتفقت معها في ذلك معظم المبادرات الفردية والتي تمحورت حول تقسيم اليمن إلى أقاليم.

2- شكل النظام السياسي:
في حين تؤكد مبادرة اللقاء المشترك على النظام البرلماني والفصل بين السلطات، فإن توجهات الحزب الحاكم لا تتطرق إلى تلك النقطة باستثناء مبادرة رئيس الجمهورية لإجراء تعديلات دستورية في سبتمبر 2007، التي نصت على أن يكون شكل النظام السياسي "رئاسيا كاملاً"، في حين أن مشروع التعديلات الدستورية الذي قدم إلى مجلس الشورى يفهم منه ضمنياً على بقاء النظام السياسي في شكله الحالي. وبخلاف ذلك فإن مبادرة رابطة أبناء اليمن أكدت على ان يكون نظام الحكم رئاسياً، واتفقت ضمنياً في ذلك بعض المبادرات الفردية التي دعت إلى تقسيم اليمن إلى أقاليم.

3- السلطة التشريعية:
اتفقت جميع تلك المبادرات في أن تتكون السلطة التشريعية من مجلسين، على أن يتم انتخاب مجلس الشورى من قبل الشعب مباشرة وبالتساوي بين المحافظات، مع توسيع صلاحياته التشريعية، بل أن بعض المبادرات تعطي مجلس الشورى المنتخب حق إقرار تعيينات كبار موظفي الدولة. كما أعطت رؤية الإنقاذ الوطني التي أعلنتها اللجنة التحضيرية للحوار الوطني الاجتماع المشترك لمجلسي النواب والشورى (لمجلس الوطني) حق انتخاب رئيس الجمهورية.

ومن الملاحظ أيضا أن معظم تلك المبادرات قد حددت مدة كل من المجلسين بأربع سنوات وفي نفس الوقت حددت مدة رئيس الجمهورية بخمس سنوات.

4- النظام الانتخابي:
معظم المبادرات التي قدمت وخاصة مبادرة أحزاب اللقاء المشترك ومبادرة حزب رابطة أبناء اليمن، وغيرها من المبادرات الفردية قد تبنت أن يكون النظام الانتخابي هو نظام القائمة النسبية، في حين أن أدبيات الحزب الحاكم لم تشر صراحة إلى طبيعة النظام الانتخابي، واكتفى برنامج مرشح الحزب الحاكم في الانتخابات الرئاسية 2006 إلى التأكيد على "ضمان ودورية ونزاهة الانتخابات العامة وكفالة شفافية كافة مراحلها". وعلى الرغم من عدم إفصاح الحزب الحاكم على شكل النظام الانتخابي، إلا أنه قد توصل مع أحزاب اللقاء المشترك لتوقيع اتفاق بتأجيل الانتخابات البرلمانية لمدة عامين في أن يكون نظام القائمة النسبية ضمن أجندة الحوار والإصلاحات السياسية والقانونية المطلوب إجراءها .

5- آلية الحــــل:
دعت معظم المبادرات لعقد مؤتمر حوار وطني تناقش فيه كافة القضايا والمشاكل التي تواجهها اليمن، على أن لا يستثنى منها أحد، بل أن بعضها قد حدد الفئات التي يجب أن تشارك في الحوار، في حين أن بعض تلك المبادرات قد حددت عدد الأشخاص من كل فئة معنية بالحوار.

ومن كل ذلك يتضح قدرة اليمنيين على تشخيص أزماتهم، وعلى "نحت النصوص وعجزهم عن تحويلها إلى واقع ملموس"، إلا أن العبرة ليس بالنصوص وإنما بما في النفوس وإرادة الفعل السياسي. 

خاتمـــــة:
وإجمالاً، يمكن القول بأن تعدد المبادرات يعد ظاهرة صحية وإيجابية تعكس الشعور بالمسئولية، وتعكس أيضا رغبة كافة الأطراف السياسية في المساهمة في حل الأزمات التي يواجهها اليمن. ومن خلال التمعن في السياق الذي صدرت فيه تلك المبادرات، فإنه على الرغم من أنها في السنوات الأولى قد جاءت كاستجابة وطنية ولمتطلبات الواقع إلا أنه لا يمكن إغفال أن المتغيرات الدولية قد مثلت دافعا قويا في تبنيها، ويصدق ذلك على كافة المبادرات الحزبية والفردية أو في ما تم تبنيه في بعض محاور الإصلاح السياسي من قبل السلطة. وفي نفس الوقت يمكن القول أيضا أن المبادرات التي صدرت في السنوات الأخيرة قد جاءت استجابة لتفاقم المشكلات السياسية والاقتصادية وحرب صعدة ونتيجة الاحتجاجات في المحافظات الجنوبية والشرقية ونتيجة تأخر الاستحقاق الانتخابي لمجلس النواب.

وبالرغم من الأفكار الجيدة والطموحة التي وردت في تلك المبادرات، فإنه يمكن التأكيد هنا بأنه لا يمكن التوصل إلى حل للمشاكل التي حاولت تلك المبادرات وضع حلولاً لها إلا بمشاركة ممثلين عن جميع القوى السياسية في السلطة والمعارضة والشخصيات والسياسية والاجتماعية والأكاديمية والأطراف المعنية في مؤتمر للحوار الوطني برعاية رئيس الجمهورية، على أن يصدر عن هذا المؤتمر توصيات يتم تبنيها من قبل الحزب الحاكم وأحزاب اللقاء المشترك اللذين يجب التعامل معهما كأمر واقع وكطرفين أساسيين في اتفاق تأجيل الانتخابات، وعلى أن يدرك الجميع أن الفترة المتبقية حتى موعد الاستحقاق الانتخابي لانتخابات مجلس النواب في أبريل 2011 تمثل الفرصة الأخيرة أمام اليمنيين للبداية الحقيقية في التخلص من الأزمات والمشاكل التي يعانيها اليمن.

ويجب التأكيد هنا على أن يسترشد المتحاورون في مؤتمر الحوار الوطني أو في الحوارات بين الحزب الحاكم واللقاء المشترك بأن الأولوية في مناقشة تلك القضايا ليست شكل الدولة أو نظامها السياسي أو طبيعة بنية السلطة التشريعية، أو في طبيعة النظام الانتخابي، وإنما بوجود الدولة القوية العادلة والقائمة على مشاركة المواطنين في إدارة شئونهم المحلية من خلال حكم محلي فاعل يقوم على اللامركزية المالية والإدارية، وبوجود التوازن بين السلطات وبين السلطات والمسئوليات، ووجود سلطة تشريعية فاعلة، وانتخابات حرة ونزيهة وشفافة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق